‭ ‬الوطن‭ ‬شيء‭ ‬والحكومة‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬مغاير‭ ‬تماما

عبد الحميد جماهري

بعض‭ ‬المناقشات‭ ‬بين‭ ‬المدافعين‭ ‬عن‭ ‬الحصيلة‭ ‬الحكومية‮.‬‭ ‬قبل‭ ‬تقديمها‭ ‬رسميا‭ ‬في‭ ‬الامتحان‭ ‬الانتخابي،‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬الحكومة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬قرارات‭ ‬الوطن‮..‬
وأحيانا،‭ ‬تجد،‭ ‬بغير‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬الاستغراب،‭ ‬حكوميين،‭ ‬في‭ ‬المنصب‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الوظيفة،‭ ‬يقدِّرون،‭ ‬‮(‬نفترض‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يتم بسبب‭ ‬الحماس‭ ‬وبحسن‭ ‬النية‮)‬‭ ‬أن‭ ‬المس‭ ‬بالحكومة،‭ ‬أو‭ ‬ببعض‭ ‬قراراتها،‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المس‭ ‬‮«‬بالمصلحة‭ ‬الوطنية‮»‬‭.‬
‭ ‬ولا‭ ‬نعدم‭ ‬أحيانا‭ ‬أخرى‭ ‬جلسات‭ ‬برلمانية‭ ‬نسمع‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحكومة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن‮..‬وأحيانا‭ ‬يعتبر‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬شرط‭ ‬وجوب‭ ‬أو‭ ‬المقدمة‭ ‬الإجبارية‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الثاني‭ ‬والحديث‭ ‬عن‭ ‬مصلحة‭ ‬الوطن‮..‬
سمعنا‭ ‬ذلك‭ ‬بخصوص‭ ‬قرارات‭ ‬تهم‭ ‬الرأسمال‭ ‬الوطني،‭ ‬وفي‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬قرارات‭ ‬تهم‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬بمكونات‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬بقرارات‭ ‬تقديرية‭ ‬لمؤسسة‭ ‬الحكومة‭ ‬ككل‮..‬
وتتبعنا‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬السجالات‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مناظر‭ ‬الفقر‭ ‬أو‭ ‬الهشاشة‭ ‬‮(‬‭ ‬الحوز‭ ‬مثلا‭ ‬‮)‬‭ ‬واعتبار‭ ‬أن‭ ‬تكبير‭ ‬الصورة‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬نية‭ ‬صاحبه‭ ‬أفكارا‭ ‬سيئة‭ ‬عن‭ ‬الوطن‮..‬
‭ ‬واتبعنا‭ ‬ذلك‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬قرارات‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬خاصة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬تدبير‭ ‬المجال،‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الرباط‭ ‬حاليا،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬رفع‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬كحجة‭ ‬لا‭ ‬يأتيها‭ ‬الباطل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أيديها‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬خلفها،‭ ‬لحسم‭ ‬نقاش‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬التدبير‭ ‬البشري‭ ‬القابل‭ ‬للتجويد‭ ‬أو‭ ‬الطعن‭ ‬أو‭ ‬المساءلة‭ ‬والتراجع‭ ‬حتى‮!‬
هذا‭ ‬التماهي‭ ‬له‭ ‬مخاطر‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النفَس‭ ‬الديموقراطي،‭ ‬وعلى‭ ‬المناخ‭ ‬العام،‭ ‬وهوامش‭ ‬تفعيل‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬المسؤولية‭ ‬والمحاسبة‮..‬‭ ‬لا‭ ‬شك،‭ ‬ولكن‭ ‬له‭ ‬مخاطر‭ ‬أكبر‭ ‬منها،‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الحكومة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مقدس‮»‬‭ ‬وطني‭ ‬أو‭ ‬تصبح‭ ‬مكوناتها‭ ‬فوق‭ ‬التناول‭ ‬النقدي،‭ ‬والتعرض‭ ‬للوزراء‭ ‬بمثابة‭ ‬تعريض‭ ‬يوجب‭ ‬العقاب‮..‬‭ ‬وتتفرع‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬السلوكات‭ ‬الماسة بالطمأنينة،‭ ‬وبالجو‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬المغاربة‭ ‬جميعا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬سيادته‮.‬
‭ ‬الحكومة،‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬ومسلسل‭ ‬سياسي‭ ‬ودستوري‭ ‬وانتخابي‭ ‬محكوم‭ ‬بالزمن‭ ‬والمكان،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬مؤسسة‭ ‬سياسية‭ ‬ودستورية‭ ‬تجسد‭ ‬الشق‭ ‬التنفيذي‭ ‬في‭ ‬السلط‭ ‬الموجودة،‭ ‬والمرتبة‭ ‬دستوريا‮.‬‭ ‬وهي،‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬الحالات‭ ‬تجسيد‭ ‬للسيادة‭ ‬الشعبية،‭ ‬تتفرع‭ ‬عن‭ ‬اختيارات‭ ‬تتحكم‭ ‬فيها‭ ‬المصالح‭ ‬أو‭ ‬الأفكار‭ ‬أو‭ ‬القرابات‭ ‬‮…‬‭ ‬
وقد‭ ‬تسيء الحكومة‭ ‬أو‭ ‬أحزابها‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬هاته‭ ‬السيادة‮( ‬كما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استعمال‭ ‬الإحسان‭ ‬السياسي‭ ‬لاستمالة‭ ‬الناخبين‭ ‬وتعطيل‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬الأرقى‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬معضلات‭ ‬الوطن‭ ‬والاستعداد‭ ‬لتحدياته‮..)‬
كما‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الحكومة‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬نقطة‭ ‬ضعف‭ ‬‮…‬‭ ‬الوطن‮!‬‭ ‬
عندما‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬قرارات‭ ‬تفكك‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أو‭ ‬تعطل‭ ‬الفعل‭ ‬السياسي‭ ‬والمواطِن‭ ‬للطبقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬
كما‭ ‬قد‭ ‬يستوجب‭ ‬الخطأ‭ ‬الذي‭ ‬ترتكبه‭ ‬الحكومة‭ ‬‮..‬‭ ‬معاقبتها‮!‬
وفي‭ ‬حالاتنا‭ ‬لا‭ ‬يعاقب‭ ‬الوطن‮.‬
كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسقط‭ ‬الحكومة‭ ‬ولا‭ ‬يسقط‭ ‬الوطن‭ ‬عندما‭ ‬تسقط‭ ‬الحكومة‮!‬
الحكومة‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬أي‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تمثل‭ ‬الوطن،‭ ‬أو‭ ‬تمثل‭ ‬دولته،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تجسد‭ ‬سيادته،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مديحها‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬التربية‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬الوفاء‭ ‬والإخلاص‭ ‬والتضحية‮..!‬
‭ ‬والوطن‭ ‬ليس‭ ‬إيديولوجيا،‭ ‬حتى‭ ‬يخضع‭ ‬كما‭ ‬الحكومة‭ ‬لتقديرات‭ ‬الخصوم‭ ‬والأنصار‭… ‬
الوطنية،‭ ‬هي‭ ‬أفق‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬السياسة‮..‬‭ ‬وفي‭ ‬الوجود،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬تدبير‭ ‬قد‮ ( ‬مع المضارع تفيد الشك‮ ) ‬لا‭ ‬نجني‭ ‬منه‭ ‬سوى‭ ‬‮..‬‭ ‬امتيازات‭ ‬البعض‭ ‬وتعزيز المسارات‭ ‬الفردية‭ ‬وتحصين النعيم‭ ‬في‭ ‬تقاعد‭ ‬مريح‭ ‬أو‭ ‬تركة من قرارات‭ ‬تعطب‭ ‬الحياة‭ ‬السليمة‭ ‬للأفراد‭….‬
‮ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يرضاه‭ ‬الوطن‭ ‬لأبنائه‮..‬

الكاتب : عبد الحميد جماهري - بتاريخ : 18/03/2025