قالها ملك البلاد: أحزاب تستعجل القيامة..!

عبد الحميد جماهري
أصبح السؤال: «هل هناك حكومة فعلا؟»، أكبر من تمرين على السخرية، وانتقل إلى أن صار سؤالا حقيقيا في بلادنا لمعرفة درجة تطور الحقل السياسي وتجذر الثقافة السياسية المؤسساتية وتكريس روح المسؤولية.
فمن يتابع خرجات الأحزاب المكونة للأغلبية، ورغبتها في لعب دور المعارضة لبعضها تارة، وفي التماهي مع أي حركة احتجاجية ( أعراض مول الحوت) تارة أخرى، وينصت لتصريحات وزرائها، وأحيانا للأسف قادتها وقيادتها، يشعر وكأن الحكومة التي أمامنا ليست هي الحكومة التي تقرر في الغلاء، وفي المضاربات وفي القطيع وفي السردين وفي تفعيل القانون وإعمال اشتراطاته!
تتنافس البلاغات، مع التحريات مع الخرجات، في المقرات الحزبية وتحت قبة البرلمان، حول وجود 18 مضاربا يستعصون على القانون، وفوق قدرة الحكومة في حماية قوت الناس وفي طمأنينة البلاد..وتيارات «مافيوزية» تتربص بالدولة لتضع يدها عليها، وعصابات تريد أن تضع يدها على الديموقراطية ( ما شكلها، المادة المصنوعة منها؟) والكل في الحكومة ينتظر. أن … تتدخل الحكومة!
لقد صار من المكرور أو من نافل القول أن نرفع صوتنا بأن هذا يقتل السياسة والثقة معا، في بلادنا، تحتاج إلى إسمنتهما لكي تصلب عودها ومؤسساتها.
وأن هذه القفزات اللامسؤولة لا يمكن أن تقنع المواطنين بأن السياسة والمؤسسات، التي قاتلوا من أجلها سياسيا حتى صارت للحكومة أدوار أساسية في الحياة العامة. .. يمكنها( السياسة والمؤسسات) أن تغير من واقعهم..
وأن عليهم أن يبحثوا عن الحكومة في دهاليز أخرى وعن قوة الفعل القانوني والسياسي في جهات أخرى…
ولعل أول ما يحضر إلى ذهن أي مواطن وأي متتبع للحياة الوطنية، ناهيك عن الممارس السياسي، هو خطاب جلالة الملك 30 يوليوز 2016.
فمنذ قرابة تسع سنين. عددا، كان جلالته، قد توجه بخطاب إلى الأمة بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش المجيد، في ذلك الخطاب الشهير سطر جلالته على أنه« بمجرد اقتراب موعد الانتخابات، وكأنها القيامة، لا أحد يعرف الآخر. والجميع حكومة وأحزابا، مرشحين وناخبين، يفقدون صوابهم، ويدخلون في فوضى وصراعات، لاعلاقة لها بحرية الاختيار، التي يمثلها الانتخاب».. ليس هناك تصنيف أصدق مما قاله ملك البلاد، كما لو أن المشهد الذي تم في ذلك التاريخ يستعاد بحذافيره.. .
لا أحد يريد أن يتبنى نتيجة سياسة الحكومة، إلا في ما ثبت أنه تنفيذ للإرادة الملكية، ولا قبل لهم بتجاوزه.
الكل يتنصل من الغلاء والسعار في الأسعار وعارها.
حتى أننا تفكَّهْنا بالدعوة إلى اقتراح «تنسيقية الوزراء الذين فرضت عليهم الحكومة»..ما دام الوزراء يتحدثون للشعب عن هموم الشعب ويشكون من :المضاربين والغلاء وغياب الدجاج والقطيع..والسطو على الديموقراطية والسطو على الدولة بدون القدرة على فعل أي شي ؟
فلا أحد يتبنى خطط الحكومة ونقائصها وقراراتها وما يستتبعها من مخاطر تحمل المسؤولية!
يبدو وكأن حكومة البلاد مجرد «إشاعة ديموقراطية» يصدقها بعض «القرَّايين» الكبار ووسائل الإعلام والتمثيليات الديبلوماسية، أما الواقع فكل الأحزاب المكونة لها تصر إلحاحا بأنها لا تمارس السلطة في قضايا المعيش اليومي كما في القضايا التي تهم القطاعات المركزية ! كما لو أننا نعيش في لعبة كاميرا خفية» منذ شتنبر 2021..!
في خطاب القيامة، كان التصوير أدق من أي مقال سياسي أو إعلامي: ومن ذلك تنصيص منطوق الخطاب الملكي على كون :«البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين».
الواقع أن «أحزاب الأغلبية مطالبة بالدفاع عن حصيلة عملها خلال ممارستها للسلطة»، وهنا كلام الملك يحدد أنها تمارس السلطة ولا يمكن أن تلمح أنها لا تمارسها كما تفعل في بلاغاتها وتصريحاتها.. ذلك حتى تستقيم اللعبة الديموقراطية ويستقيم ربط المسؤولية بالمحاسبة وتستقيم أخلاقيات الفعل السياسي.. وتوازن المؤسسات، وما يجب أن يكون من صميم الحياة العادية الوطنية.
الواقع أن الوقت مناسب لكي تنتقل القوى السياسية صاحبة القوة المؤسساتية في البرلمان والحكومة إلى اللحظة الإصلاحية التي تتطلبها المرحلة، وهنا أيضا نذكر بخطاب الملك في نفس المناسبة، وكانت سابقة للانتخابات كما هو الحال اليوم، من ضرورة تحرك »الإدارة التي تشرف على الانتخابات تحت سلطة رئيس الحكومة، ومسؤولية وزير الداخلية ووزير العدل والحريات، للقيام بواجبها، في ضمان نزاهة وشفافية المسار الانتخابي«.
واقتراح إصلاحات يستوجبها التخليق ومحاربة تمدد التيار “المافيوزي” داخل المؤسسات في بلادنا، ولعل الذي يحب بلاده يريد بالفعل أن تقتنع كل أحزابها بهذه الإصلاحات وتقوية أدوارها والقيام بواجبها في تحصين العملية الديموقراطية..
يمكن في الحالة هاته أن تتطور نظرية المؤامرة والتفسير البوليسي للتاريخ: هنا كم مال يطبخ ولا يعرفه سوى قادة الأحزاب في الحكومة، ولهذا جاء هذا الخطاب التهديدي المغلف بالخوف على عيش المواطنين، وهو في واقعه هروب إلى الأمام من أجل.. الموقع في الأمام نفسه!
وتلك قصة أخرى سنعود إليها ولا شك..
الكاتب : عبد الحميد جماهري - بتاريخ : 14/03/2025