صندوق النقد الدولي يوافق على منح المغرب خط ائتمان بقيمة 4.5 مليار دولار
في خطوة تعكس تزايد اعتماد المغرب على الاقتراض الخارجي، أقدمت الحكومة على إصدار سندات اقتراض بقيمة 2 مليار أورو في السوق المالية الدولية، ولم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى أعلن صندوق النقد الدولي موافقته على منح المملكة خط ائتمان بقيمة 4.5 مليارات دولار. وللعام الرابع على التوالي، تسير الحكومة بثبات نحو تعميق الدين العمومي للبلاد، حيث قررت برسم القانون المالي 2025 اقتراض ما لا يقل عن 125 مليار درهم في خانة (مداخيل الاقتراضات المتوسطة والطويلة الأجل) وهو ما يمثل 19% في بنية موارد الدولة، علما أن نفقات استهلاك الدين العمومي ستبتلع أزيد من 62 مليار درهم من الميزانية العامة. هذان التطوران يسلطان الضوء على وضعية المالية العمومية التي تواجه تحديات جسيمة، حيث بات اللجوء إلى الدين الخارجي وسيلة رئيسية لتغطية الاحتياجات التمويلية. لكن يبقى السؤال الأهم: هل هذا النهج يندرج ضمن سياسة اقتصادية محسوبة العواقب، أم أنه يعكس تزايد الهشاشة المالية وارتفاع المخاطر على الاستقرار الاقتصادي؟
الجواب تلخصه أخر الأرقام في هذا الباب : فقد بلغ إجمالي الدين العمومي للمغرب حوالي 110.4 مليار دولار بنهاية أكتوبر 2024، مسجلاً زيادة بنسبة 7.2% مقارنة بعام 2023. يشكل الدين الداخلي 75.9% من هذا الإجمالي، بينما يمثل الدين الخارجي 24.1%، حيث ارتفع الأخير بنسبة 10.4% ليصل إلى 26.6 مليار دولار. وبلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 69.7% في عام 2023. حتى نهاية عام 2023، بلغ الدين الخارجي العمومي حوالي 45.2 مليار دولار، بزيادة 3.6% مقارنة بالعام السابق، حيث يتوزع هذا الدين بين الدائنين متعددي الأطراف الذين يمثلون 51.2%، والدائنين الثنائيين الذين يستحوذون على 20.9%، فيما يشكل الدائنون من القطاع الخاص 36%. الدائن الأكبر في فئة الدائنين الثنائيين هي فرنسا بحصة 40.9%، تليها ألمانيا واليابان. كما بلغت خدمة الدين الخارجي حوالي 9% من عائدات الصادرات و4% من الدخل القومي الإجمالي، مع ارتفاع مدفوعات الفوائد على الديون طويلة الأجل من 851 مليون دولار في 2010 إلى 1.4 مليار دولار في 2023.
ويعتبر المراقبون أن اللجوء إلى الاقتراض الخارجي ليس بحد ذاته مدعاة للقلق إذا كان مبررا بضرورات تمويل مشاريع تنموية قادرة على توليد نمو مستدام، لكن عندما يصبح الاقتراض نمطا ثابتا لتمويل العجز المزمن في الموازنة، فإن المسألة تستدعي وقفة تأمل. المغرب، الذي استفاد سابقا من خطوط احترازية للتمويل من صندوق النقد الدولي بين 2012 و2020، يبدو أنه مستمر في هذا المسار، وإن كان بوتيرة متحفظة. فإعادة فتح خط ائتمان جديد، حتى وإن وصفته السلطات بأنه «احترازي»، يشير إلى هشاشة التوازنات المالية أمام الصدمات الخارجية.
التبريرات الرسمية تعتمد على السياق الدولي المضطرب، حيث تتشابك التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق المالية وارتفاع أسعار المواد الأولية. ورغم إشادة صندوق النقد الدولي بقدرة المغرب على الصمود، إلا أن الواقع يفرض تساؤلات حول مدى استدامة هذه القدرة. فالتقلبات المناخية المتكررة وتأثيرها على القطاع الزراعي، إضافة إلى التحديات البنيوية التي تعاني منها المالية العامة، كلها عوامل تجعل من سياسة الاقتراض المتكرر حلًا مؤقتًا أكثر منه استراتيجية مدروسة.
المعضلة الكبرى تكمن في تكلفة هذا الدين وتداعياته المستقبلية. فبغض النظر عن الشروط «التفضيلية» التي قد يحصل عليها المغرب عند اللجوء إلى الأسواق المالية الدولية، فإن عبء خدمة الدين يرتفع مع مرور الوقت، ما يحد من هامش المناورة المالية للحكومة. وهذا الأمر يطرح مخاوف جدية حول قدرة البلاد على الحفاظ على استقلالية قرارها الاقتصادي إذا ما استمر الدين العمومي في التصاعد. فكل اقتراض جديد يعني التزامًا مستقبليًا بالسداد، وهو ما يتطلب تخصيص موارد ضخمة من الميزانية، قد تكون على حساب أولويات حيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية.
ورغم تأكيد صندوق النقد الدولي على أهمية الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، فإن السؤال يظل مطروحا حول مدى جدية هذه الإصلاحات في تقليل الحاجة إلى الاستدانة. فالنمو المتوقع عند حدود 3.6%، رغم تحسنه، يظل غير كافٍ لمجاراة ارتفاع الدين العمومي. كما أن التركيز على الاستثمار في البنية التحتية دون ضمان تأثير مباشر على الإنتاجية الاقتصادية قد يؤدي إلى تراكم الديون دون تحقيق العوائد المرجوة. توزيع عملات الدين الخارجي يعكس هذا التحدي، إذ يتمثل بـ 59% باليورو، 35% بالدولار الأمريكي، و6% بعملات أخرى.
لا يمكن إنكار أن المغرب أظهر قدرة على تدبير أزماته المالية بحذر وواقعية، غير أن الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي يظل سلاحا ذا حدين. فبينما يمنح الاقتصاد هوامش أمان مرحلية، فإنه يراكم أعباء مالية على الأجيال القادمة، ويفرض تحديات إضافية على سيادة القرار الاقتصادي.
وإذا كانت السلطات تراهن على استقرار الأسواق وتحسن الأوضاع الاقتصادية لتقليل حاجتها إلى التمويلات الخارجية، فإن النهج الأكثر حكمة يظل في إعادة النظر في نموذج النمو نفسه، بما يجعله أكثر قدرة على توليد موارد ذاتية تقلل من الحاجة إلى الاستدانة المستمرة.