دخل مشروع القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار مرحلة حاسمة بعد أن صادق عليه مجلس الحكومة يوم الخميس 28 غشت 2025 بالرباط، غير أن هذه المصادقة جاءت في ظل موجة رفض طلابي ونقابي اعتبرت أن النص الجديد يشكل تراجعا عن مكتسبات سابقة، ويهدد مجانية التعليم العمومي.
وفي بيان مشترك صدر يوم 27 غشت، عبرت كل من التنسيقية الوطنية للطلبة المهندسين بالمغرب، واللجنة الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب عن قلقها العميق مما وصفته بـ»المقاربة الأحادية» التي اعتمدتها الحكومة في صياغة المشروع. وأكدت أن تمريره في ظرفية صيفية، متزامنة مع العطلة الجامعية، يعكس تغييبا متعمدا للمجالس البيداغوجية والتمثيليات الطلابية المنتخبة من حقها في إبداء الرأي والمشاركة في النقاش العمومي.
وأشار البيان إلى أن القانون الجديد حذف المواد 71 و72 و73 من القانون 01.00، التي كانت تكفل للطلبة حقهم في التنظيم داخل الجامعات وتدبير شؤونهم عبر جمعيات ومكاتب ومجالس منتخبة. واعتبرت الهيئات الطلابية أن هذا التراجع يناقض دستور 2011 الذي يضمن حرية التعبير والتنظيم والعمل الجمعوي.
كما ذكرت التنظيمات الطلابية بأن وزارة التعليم العالي وقعت قبل أقل من سنة محضر اتفاق رسمي مع ممثلي طلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة، اعترفت فيه بشرعية تمثيلياتهم ودعت إلى إدماجها في الأنظمة الداخلية للكليات. وأكدت أن «المنطق والإنصاف يقتضيان تعميم هذا النموذج على باقي مؤسسات التعليم العالي لا محاولة دفنه وطمس ملامحه».
وحذّر البيان من أن المشروع يفتح الباب، عبر ثغرات قانونية، أمام خوصصة التعليم العالي، وهو ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه دستوريا، ويهدد مجانية التعليم ويحول الجامعة المغربية من مؤسسة علمية ذات رسالة إنسانية إلى «مقاولة تجارية محكومة بالمنطق الربحي».
وأعلنت التنظيمات الثلاثة في بيانها المشترك رفضها القاطع للمقاربة التي صيغ وفقها القانون، وتشديدها على أن التمثيليات الطلابية ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة للدفاع عن الحقوق وتجويد الحياة الجامعية. معلنة رفضها لحذف المواد 71-72-73 من القانون 01-00 باعتبارها ضمانة قانونية لحرية الطلبة في التنظيم والدفاع عن حقوقهم داخل أسوار الجامعة وكذا رفضها لكل الصيغ المباشرة أو غير المباشرة التي تمهد لخوصصة التعليم الجامعي وضرب مبدأ تكافؤ الفرص، كما عبّرت عن استعدادها لمراسلة وزارة التعليم العالي ورئاسة الحكومة، وخوض إضرابات وأشكال احتجاجية ميدانية مع بداية الدخول الجامعي، دفاعا عن الجامعة العمومية وصون رسالتها النبيلة.
لكن رغم هذا الرفض صادقت الحكومة يوم الخميس على مشروع القانون مؤكدة أن هدفه هو إعادة هيكلة القطاع وتطوير حكامته وهندسته البيداغوجية، وتعزيز دور التعليم العالي في تحقيق أولويات التنمية الوطنية. وأوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة أن المراجعة تأتي بعد مرور ربع قرن على آخر تعديل، مشددا على أن المشروع يسعى إلى «تعزيز استقلالية الجامعات وضمان انسجام الخدمة العمومية»، معتبرا أن «النقاش يبقى ضروريا».
وفي الوقت الذي تؤكد الحكومة أن مشروع القانون 59.24 الذي يأتي «تطبيقا لمقتضيات القانون-الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.19.113 بتاريخ 7 ذي الحجة 1440 (9 أغسطس 2019)، ولاسيما المادة 17 منه؛ وذلك قصد تعزيز الدور الفعال للتعليم العالي والبحث العلمي في تحقيق الأولويات التنموية، وإسهامه المحوري في تكوين الرأسمال البشري المؤهل لمواكبة السياسات والبرامج والأوراش المهيكلة للمملكة”، يمثل فرصة لتحديث التعليم العالي وتطوير مناهجه وحكامته، يصر الطلبة على رفضه، ملوحين بتصعيد احتجاجاتهم، ما ينذر بموسم جامعي ساخن قد يعيد النقاش بقوة حول مستقبل الجامعة المغربية العمومية.