زهور كرام: المعلومة تتحرك كسيولة وتتجه كفيضان نحو القارئ
محمد العلالي: المثقف صاحب المعرفة توارى تماما ليحل محله المؤثر
شهد المعرض الدولي للكتاب بالرباط أول أمس الاثنين 6 يونيو، بقاعة حسان، تنظيم ندوة موضوعاتية حول موضوع «القراءة الإلكترونية: من المعلومة إلى المعرفة»، وذلك لنقاش مسألة الانتقال من الكتابة الإنسانية إلى الكتابة الآلية، بحيث أصبحنا في الوقت الراهن أمام اجتياح النصوص ووفرة المعلومات وفيض الكتابات الرقمية، ما يفرز تنافسًا حقيقيًا بين المؤشر الرقمي والعقل البشري وأننا قد نصل ربما لتفوق الذكاء الحاسوبي على الذكاء البشري.
وقد اُستهل النقاش بمداخلة مهمة للأستاذة والباحثة في الرقميات الدكتورة زهور كرام التي أكدت على أن الإنسان اليوم يعيش تحديًا كبيرا، حيث أصبح يزاحمه عقل آخر هو العقل التكنولوجي والذكاء الاصطناعي الذي نعيشه اليوم أو الثورة الرقمية الرابعة، أي أننا أمام موقع جديد أو زمن جديد ووسائط جديدة، أو بصيغة أدق أننا أمام عصر جديد له أدواته الرقمية.
إن القارئ اليوم، حسب د. زهور كرام، يمارس أثناء عملية القراءة فعل الحركة، وأن الحركة فعل تدريجي بسيط وأن المعلومة تتحرك كسيولة وأنها تتجه كفيضان نحو القارئ، فنحن لم نعد كما كنا في الماضي لأن موقعنا تغير وأننا أصبحنا في موقع متحرك وفق منطق اقتصادي وتجاري، ومثلت على ذلك كله بفعل التبضع حتى أنه يمكننا اليوم أن نقتني ما نشاء دون أن نتحرك.
وترى د. زهور كرام أن القراءة الالكترونية تتحدد بانتقال مفهوم القارئ من مكان إلى آخر، وأن هذا الانتقال يعطيه وظيفة جديدة، فالأمر لم يعد يتعلق فقط بالكتابة أو القراءة بل بالانتماء إلى العصر الرقمي، وعلينا دائما أن نتذكر بأننا أمام معلومات وليس معرفة، وأن الوعي المستقبِل هو الذي سننتج من خلاله المعرفة، التي تؤسس لمجموعة من التصورات التي تحدد طبيعة تعاملنا مع مجموعة من المفاهيم من قبيل السيولة، الشراكة، التقاسم… بمعنى أننا كلنا شركاء، وأن القارئ لم يعد متلقيا فقط لنظام معرفي جاهز مختلف تماما عما سبقه أي بزمن مرتبط بالشبكات لا الشعارات والإيديولوجيات.
كما أكدت المتدخلة نفسها على أن القراءة الإلكترونية من المعلومة إلى المعرفة هي وظيفة جديدة للإنسان وللقارئ، انسجاما مع موقعنا اليوم الذي يختلف عن موقفنا في السابق، ما يطرح تحديات كبرى على عدة مستويات خاصة عملية تحيين الذاكرة باستحضار مفاهيم جديدة بمعنى دمقرطة المعلومة والتفكير، انطلاقا من مفهوم التفردية حتى يستقيم خطابنا الذي تجاوز الموقع الذي كنا فيه بالثورة الصناعية إلى موقعنا اليوم بالثورة الرقمية، فلم يعد الإنسان أو العقل البشري مركزا للكون بل إن العقل التكنولوجي والذكاء الاصطناعي بات ينافسه اليوم، خاصة أن مفهوم الوجود تغير ومفهوم النص تحول نحو اللغة البرمجية وأنها المتغير الوحيد في علاقة القارئ بالمنتوج المقدم له رقميا دائما.
وقد ساهم في النقاش ذاته الأستاذ والباحث محمد العلالي الذي انطلق في معرض حديثه عن «القراءة الإلكترونية: من المعلومة الى المعرفة» بتعريف ماهية الثقافة باعتبارها كل ما يبقى عالقا بذاكرتنا حينما ننسى كل شيء، وأن التواصل هو تقاسم كل ما هو مشترك وهو تقاسم على المستوى الزمني والتاريخي السانكروني والدياكروني الذي يتيح لنا إزاحة حواجز الزمان والمكان والمركز والهامش والسلطة والمجتمع، متيحا إمكانيات كبيرة تتجاوز كل حدود التواصل المكتوبة فقط.
وفي خضم حديثه عن الانتقال من المعلومة إلى المعرفة، ذكر ذ. العلالي بأن المعرفة بحسب ميشيل فوكو هي السلطة من خلال تدرج المعرفة نفسها والانتقال من الدرجة الدنيا إلى الإشاعة إلى مرحلة الفعل، أي أننا انتقلنا من المعرفة الخام أو الخبر الجزئي الناقص الذي لا يتوفر على كل المقومات التي تجعل منه خبرا كاملا يستفيد منه الجميع.
وبخصوص الانتقال من الإشاعة إلى المعلومة، وجب علينا حسب د. العلالي أن نتدقق منها لتنتقل إلى المعرفة وتصبح لها قيمة وهنا استحضر المتدخل ذاته، ثنائية المثقف والمؤثر الذي حضر ليختفي المثقف. فالمثقف صاحب المعرفة توارى تماما ليحل محله المؤثر الذي يطرح موضوع عاما بمعطيات دائما ما تكون غير كاملة أو منقوصة مستشهدا بالربيع العربي الذي قاده النشطاء وليس المثقف.
كما شدد المتدخل نفسه في الأخير على حضور المثقف الباهت في وسائل التواصل الاجتماعي مقارنة مع المؤثرين الناشطين والمتواجدين بكل المنصات الرقمية، ما ينتج حضورا ضعيفًا للمعرفة بجرعات جد ضئيلة وهو ما يطرح، كذلك، بعض المعضلات خاصة أننا نعاني من فجوات رقمية رغم أننا انتقلنا من مجتمع قائم على الآلات إلى مجتمع التواصل الجماهيري الذي يقوم على التفاعل الثنائي للمعرفة والمعلومات، خاصة أننا مازلنا نعاني من الأمية الأولى بنسبة تتجاوز40 % في المجتمعات العربية، وأيضا بسبب الأمية الثانية التي تتمثل في عقدة الأجنبي أو استعمال اللغات الأجنبية البعيدة تماما عن هويتنا وثقافتنا الجمعية.