«ليالي تماريت» لأمينة الصيباري : تجربة النص الروائي المفتوح على بدائل الوعي المفارق

« لقد انتهى كل شيء… و بقى ذلك الأسى الغريب الذي لا يعرفه سوى كناسو المسرح بعد خروج آخر الممثلين»
غابريال غارسيا ماركيز

هذه رواية من الأحسن أن تقرأ ( قراءة جمالية وجودية) و ذلك لأنها على امتداد سيرورة الحكي تستند إلى خلفية فلسفية تضع سؤال الشكل الروائي المفتوح في صدام إشكالي مع سؤال الذوات والكينونات التي تواجه واقعا مفارقا.
سنحاول سبر أغوار هذا الاستبطان الوجودي الذي تقوم عليه رواية «ليالي تماريت» للأديبة أمينة الصيباري من خلال اقتفاء نقدي متوازي المسار:
مسار أول يركز على شخصية غادة، وهي الشخصية المحورية في الرواية، والتي هي شخصية إشكالية، لأنها تعيش أزمة كينونة في وضع مفارق وفصامي مع صورة الواقع من حولها. و ضعها عموما يجسد التواتر المتكرر لـ ( صورة انكسار المثال) بين الحلم و صوره اللامتحققة. / كوابيسه إذا صح التعبير.
مسار ثان يركز على ما سميناه بالنص المفتوح، إذ نحن بصدد عمل روائي يبتعد عن نمط الرواية الواقعية الكلاسيكية، ونمط الحبكة التقليدية الثلاثية البناء، وذلك في مسعى للكتابة يعتمد الشكل التجريبي القائم على تفكك البناء والبنية الشذرية في الانتقالات من فصل لآخر انتقالات تقوم على ( موتيف النص الموازي) هذا النص – و الذي بصيغة ارتجالية – تجتذبه الكاتبة من [ الأثر المكتوب] الذي تجده المؤلفة في ورق تلفيف الحبوب المجففة: مخروط الأكاجو والزريعة والحمص والفول السوداني و اللوز.
موتيف [ الأثر المكتوب] يفتح مسار الرواية على خمس عتبات دلالية:
– مقتطف من نص حول البداوة
– مقتطف من كتاب طوق الحمامة لابن حزم
-مقتطف من ديوان شعري -مقتطف حول تاريخ المقاهي
-مقتطف من سيرة الأميرة ديانا..
باعتماد الأثر المكتوب، تضع المؤلفة خطاب الكتابة Discours de l›écriture في حالة صدامية مفارقة مع خطاب الواقع Discours de la réalité ، وهذا الوضع الصدامي هو الصورة المرآوية لذاتية البطلة غادة التي تعيش مسار حياة إنكسارية في الحب والزواج، كما في العلاقات العائلية (موت الأب)، كما في العمل و الكتابة الصحفية التي غدا يهدد نبلها وازع المال والإشهار و… واختبارات الوعي الذكوري النرجسي والتقليدي التكريسي (اضطراب العلاقة بين غادة و شخصية العطار وعلى وعماد)
جغرافية التخييل الحكائي في «ليالي تماريت»
تحتضن ثلاثة سجلات تعبيرية كبرى لما يمكن أن نعتبره تشغيلا لمكون (النص الموازي)؛ وهذه السجلات هي على الترتيب:
أ – نص الجامعة : ويتضمن مجمل الخطابات المتعلقة بالدرس الجامعي وإعداد رسائل التخرج. فمن خلال هذا الحامل تنفتح فضاءات التخييل على عالم التشكيل والشعر لتسجل الرواية وقفات مشهدية عند فنان تشكيلي كبير من عيار أحمد الشرقاوي، وسؤال الحداثة في تجربته الجمالية، ووقفة عند شاعر « حدائق هيسبريس» محمد الخمار الكنوني أحد معالم الحداثة الشعرية في المغرب..
ب – النص الصحفي : إذ من خلال اشتغال بطلة الرواية غادة بمجلة شهرية وممارستها العمل الإعلامي سيكون هذا مستندا لتلاقح الجسد التخييلي الرواية بفن المقالة كجنس أدبي تعبيري؛ ويمكن القول إن المقالة في هذا العمل تشكل مرجعية تخييلية كبرى من آثارها على مستوى بناء العمل، خلق تفاعل نصي كبير بين الحكي Le récit والتعليق Le commentaire إلى جانب التفاعل المعرفي بين التخييل و الفكر، أي تعالق حدود الدلالة بين المجاز السردي والتصور المفهومي. المجال التخييلي المنفتح على تجربة الصحافة وكتابة المقالة لدى شخوص الرواية يغوص أكثر في مقاربة تجربة الوعي اليسار بالمغرب، وما رافق هذا الوعي من تمثلات قيمية تخص الذات الفردية والجماعية حول الحرية والعدالة والكرامة وحقوق المرأة وسؤال الهوية والمصير الاجتماعي. ومن خصائص الخطاب في هذا البعد، جنوحه إلى اكتساب بنية نقدية جعلت الرواية في جوانب كبرى منها تتحول إلى مرافعات نقدية وسجالية تعكس سياقات المرحلة التاريخية من حياة المغرب التي ارتهنت بأحلام السبعينات وانشدادها إلى رؤى التغيير و الخلاص.
ج – الانفتاح على النص الشعري : ذلك أن عدد النصوص الشعرية التي تستحضر كـ ( نص مواز) داخل الرواية، ذات كثافة حضورية عالية تعكس من جهة أن اللاشعور التخييلي للسرد يتعايش بشكل جمالي مع انجذاباته النصية للشعر كجنس أدبي يخترق جينات البلاغة الرمزية للكتابة الحكائية لدى أمينة الصيباري، و هو الشيء الذي يجعل الكاتبة في ترحلها إلى عالم الرواية، قادمة من أزمنة الشعر وتقاليده، تحمل معها إلى تربة التخييل السردي أنساغا شعرية تطعم الكتابة بنكهات بلاغية رمزية مترعة الجمال.
يستخلص من خلال هذا البعد المتعلق بأوشام حضور النص الموازي في الجسد التخييلي للرواية
أولا: انطلاق الكاتبة من تصور جمالي للرواية يربط مغامرة الدال الحكائي بتجربة النص المفتوح ومغامرة استطيقا العبرنصيات؛
ثانيا إننا بصدد عمل روائي إذ يتمثل الواقع الذوات، فإن مقاصده التخييلية البانية غايتها تشريح الوعي الفردي والاجتماعي لتجربة جيل ومرحلة من تاريخ المغرب تحمل أرق أسئلة كبرى حول المصير الإنساني في محاولة لتشخيص مكامن الداء والعطب وتشريح آليات الألم الذي يظل في الرواية هو البنية الدالة الكبرى الحاملة لتمثلات الفقدان و الانكسار، والذي نتابع ترميزاته في تفكك وانهيار العلاقة بين البطلة غادة وزوجها العطار.
الرواية تغرف من معين الموارد الشعرية للكاتبة التي تصوغ المحكي السردي في أسلوبية شعرية، جاعلة هذا العمل واحدا من أبرز الروايات احتفالا بتعالق السرد والشعر. وهذا الميسم الجمالي ينضاف إليه اعتماد مبدأ الاختراق النصي باجتلاب تكنيك النص الموازي من خلال خطابات المقالة والتقرير الصحفي والنقد الأدبي والتشكيلي، وذلك لكون الفضاء المهيمن هو مقر مجلة المقام كمقر إعلامي، ويليه في الحضور فضاء الجامعة والدراسة بالكلية ثم في درجة ثالثة بيت البطلة الشبيه بمنفى اختياري ومقام للعزلة والاغتراب الذاتي.
في هذه الرواية : البطلة غادة هي عنقاء الأزمنة المستحيلة، أزمنة يباب الحلم وخراب الرؤى المثالية.. ولعل سؤال الرواية الجوهري هو بكل تأكيد (هل تتحقق رغبة الرماد في التحليق ؟).


الكاتب : محمد علوط

  

بتاريخ : 11/06/2021