ديوان « خوذة بنصف رأس » للشاعرة حفيظة الفارسي الصيغ السردية وسؤال النوع الأدبي

توطئة:

يتميّز النص الإبداعي باستضافة نصوص ليست من طبْعه وطبيعته، بل إنّ التّضايف النّصي سارٍ بين الأجناس الأدبية، عبْر، نسف الحدود وردم الهوة. فكلّ جنس أدبي هو أرض مشاع، لتداخل وانصهار الأجناس الأدبية الأخرى داخل النسيج النصي والكينونة النصية، وهذا ما يسمى بالتداخل الأجناسي، بعبارة أخرى إن المقصود بالتداخل الأجناسي يكمن في” سعي كُتّاب نوع ما إلى الاستفادة من العناصر الجمالية البنائية التي تكوّن نوعاً أدبياً أو أنواعا أدبية أخرى، وذلك نتيجة إدراكهم أن المواقف الوجودية التي يودّون تجسيدها جماليا في كتاباتهم أو ممارستهم الأدبية تضيق عنها إمكانات الأنواع التي يبدعون في إطارها، ومن ثم يتوجهون إلى الاستعانة بتقنيات نوع أدبي آخر لإثراء بنية النوع الأول المستعار له”، ومع ذلك فكل نوع أدبي له سماته ومميزاته. ومعنى ذلك أن مقولة نقاء النص الإبداعي متجاوَزةَ، إذا أخذنا بعين الاعتبار التّحولات المعرفية والتّشابكات الثقافية والفنيةالتي تعرفها المعرفة الإنسانية، ذلك أن النص الشعري غَدَا حاضنا لكل أشكال القول الأدبي سواء تعلّق الأمر بالسرد والمسرح والتشكيل والسينما … وغيرها من الممارسات التعبيرية، بل يشبه حوضاً ” في تضاعيفه تجدُ الممارسةُ مبتدأها، وتتحيّن عبورَ نُسغها السّرّي إلى السفر النهائي بالنص. سفرٌ تتقابلُ وتتعايش أوتتعارضُ في خضمّه نصوص وممارساتٌ شتّى. أسماءٌ وجهاتٌ شعرية لها التنوعُ والبعدُ اللانهائي”، بل تتداخل فيه أجناس أدبية متعدّدة،تسْري في ثناياه مياه لأنهر نصية مُتبدّلة ومُتجدّدة، تنسج علائق تفاعلية وتبادلية لإنتاج المعرفة والمعنى وإحداث اللّذة أثناء القراءة المُنتجة. فالجنس الأدبي الحيّ هو الذي يُحقّق كيّانه الإبداعي بامتصاص ممارسات نصيّة من أجناس متنوعة، تُخصّب الخطاب وتثوّر البنية وتوسّع الدلالة. لكن ما يشغل هذه المقاربة النقديةهو البحث عن حضور البعد السردي الذي يطعّم القصيدة ببنى سردية معيّنة تصون نظامها الشعري،فتقترب من التجربة الحكائية، وتشحنها بعوالم متخيلة تتخلق من رحم الأحداث وعلاقات الشخصيات وتواشج المكان والزمان وغيرها من العناصر، بغية توسيع الشبكة الدلالية وتعميق فاعليتها، فيتحول المحكي إلى خلفية تؤطّر النص الشعري،الذي يستمد منه طاقته الفكرية والعاطفية والدلالية، ويشكّل الأبعاد الدلالية والبنائية.ويعدّ ديوان ” خوذة بنصف رأس” للشاعرة المغربية حفيظة الفارسي، من الدواوين الشعرية التي تتميّز بهذه النزعة السردية، و” تنشغل بمعترك الشاعر(ة)الداخلي، الشخصي الغامض، والتي تكلّف جهداً ووقتاً، بل يريد القصيدة التي تلبّي بسرعة حاجته الملحّة” إلى قول الذات بلغة السرد، ممتطية صهوة السيرة الذاتية كآلية تعبيرية تنسج “أناها” الشعري، وتقدّم صورة عن الأعماق الغامقة والغامضة بعيدا عن التّحسين البلاغي، والتزيين الإيقاعي لنقل المقولات المتعلقة بالذات. فمكمن الشعر ينبع منها ،باعتبارها الأداة الأساس للتعبير عن “الأنا ” ككينونة واقعية من حافّة، وتخييلية من حافّة أخرى. فكيف ينبني “محكي الأنا” داخل هذا الخطاب الشعري؟ وما تشكّله داخل النسيج النصي؟ هذه الأسئلة ستشكّل فُرشاً تأويلياً لملفوظ الذات وهي تحاول بناء هذا المحكي،لإضاءة هذه التجربة الشعرية، التي تنبجس من رؤية مختلفة للكتابة الشعرية المعاصرة.

(1) الأنا الشعري
في مرايا الآخر:

تجترح التجربة الشعرية للشاعرة كتابةً تنسج وجودها الجماليّ والفنيّ بالحفر في الذاكرة وتجربة الحياة، وتستلهم سيرة الذات ومنعطفاتها الوجودية كتراث فردي تختلط فيه أمشاج واقعية ومتخيلة،و يشكّل مستودع علامات ورموز لغوية تحيل على المكابدة والرغبة في التخفّف من ثقل العالَم؛ بتوليد عوالم متخيّلة تقول الوجود بلغة مجازية، تغلّب الإحالة الذاتية على المرجع الواقعي، في تشابك مع الغير في صور لا تغرق في الإبهام، بقدر ما تشفّ عن عاطفة جيّاشة برؤية عميقة للذات، وهي تستغني عن كل ما يفقد الكينونة، فتجعل الآخر مرآة لسيرة الحبّ والعاطفة، ولعلّ ملفوظها الشعري يعكس ذلك تقول: (خذِ الأرض والسماء/ واترك لي ما تبقى من هواء العاطفة/ فأنا امرأة لا تحبّ الشمس/ وتخشى اسمرار قلبها/ كلّما اشتدّ قيظُ ذكرى …)(ص3) إن الذات تبدعُ “أناها” شعريا بتعدّد صوتي ناتج عن آلية الحوار الذي يجمع الذات والآخر/ المخاطَب، لتعلن “الأنا “وجودها عبْر لغة السرد لكشف مغالق القول وغوامضه موضّحاً العاطفة كتجلّ لذاتٍ تتشكّل من تفاعل عناصر الكون ( التراب، الهواء، النار، الماء) ، هذه الولادة ما هي إلا صرخة “الأنا” في وجه الغير ، الذي قد يكون صورة أخرى ” للأنا” ، ليبلغ التأويل مداه على أن سيرة الذات بؤرتها العاطفة، فينبني محكي “الأنا” من آليات السرد المتجلية في وجود فاعلين سرديين وفضاء مفتوح على آفاق ممتدة في الخيال، وزمن يتراوح بين الماضي والحاضر لتتشكّل صورة الذات من معجم شعري مستمد من حقول دلالية مختلفة ( الطبيعة/ العاطفة/ الزمن…) ساهمت في تحويل الذات إلى محكي “لأنا”تبحث عن قصيدة تتهجى يُتمها، وتمسح خدّها بين الجمل والفواصل للدلالة على إحساس الذات بأن الآخر هو الجحيم المنتظر. فذاكرة النص تحفل بمحكي “الأنا”وفق تصور لا يستعيد واقع الذات وحياتها، وإنما يحوّلهما إلى استعارة، وذلك لبناء خطاب سيريٍّ يصيّر استعادة الماضي مطية للاقتراب من نبض الذات في أسمى تجلياتها الخيالية والرمزية، حيث تقوم اللغة بتجسيد هذا المحكي الذاتي إيحاءً ورمزاً، لأنها (اللغة) تجري ” مجرى العلامات والسمات، ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلا عليه وخلافه”، وهي لغةسامية -بتعبير جان كوهين- تستغور الذاتُ الغيْرَ لتحقيق التماهي بين الأنا والآخر،وهي في حالة انتشاء صوفي تكتب تاريخ الكوامن في أبهى حلول تقول الشاعرة: ( يا مولانا/ هذا رمادي/ أحمله ويحملني/ أحقّا تعشق النار/ الماء؟/ معلق أنتَ بأهداب القبيلة/ في انتظار القدَر/ يمامة أنا/ في انتظار / الطلقة/ إن كان لابد من السقوط / دعني أهوي إلى عتماتك/ ثمة/ نشيد مبحوح/ في حاجة إلى شفاهٍ/ ثمة/ أشياء ضائعة، تحتاج إلى ترميم) (ص72)، فالنص ذو طابع سردي يعكس حركية الزمان والمكان واختلاف الآراء، وتسجّل فيه الشاعرة ” شكلا من أشكال سيرته(ا) الذاتية، تظهر فيه الذات الشعرية الساردة بضميرها الأول متمركزة حول محورها الأبوي، ومعبّرة عن حوادثها وحكاياتها عبر أمكنة وأزمنة وتسميات لها حضورها الواقعي خارج ميدان المتخيل الشعري”، لكن الذات تظل باحثة عن “أناها” وفق رؤية عمادها البحث الدؤوب عن الكينونة المتشظية في اللغة، حيث تصبح الاستعارة مقام “الأنا” وهي تحكي وجودها التخييلي، وتضيء جوانب من عوالم كامنة في أرضٍ أخرى، أرض الشعر اليانعة مجازات وكنايات، رموزا وعلامات، عوالم تظل في حكم المجهول والغموض والالتباس، لذا تسعى الشاعرة بناء سرديتها الشعرية بالاتكاء على السيرة الذاتية في تقابلها ومواجهتها مع الآخر ، فهوية “الأنا” لا توجد إلا بوجود الغيرية على أساس العلائق التي تنسج بينهما عن طريق استحضار تاريخ الذات، وتعرجاتها الطفولية والوجودية في سيرورة تبرز محكي ” الأنا “وهو يقلّص المسافة بين ذاتين هما في الأصل والجوهر ذات واحدة لأن ” الذات عينها كآخر يوحي، منذ البداية، بأن ذاتية الذات عينها تحتوي ضمنا الغيرية إلى درجة حميمة، حتى إنه لا يعود من الممكن التفكير في الواحدة دون الأخرى” ، ولاشكّ أن الشاعرة تمتلك عيناً سينمائية وتشكيلية، من خلال آليتي المشهد الفيلمي واللون التشكيلي ، لترسم محكي الأنا في لوحة تغلب عليها ألوان استعارية، ولقطات سردية تشكّل صورة مركبة لهذا المحكي، الذي يقول العالَم نثرا ممزوجا بتوابل الشعر، اعتمادا على اللغة والتشكيل النفسي للذات، لتصبح” الأنا” متفرّدة في انزياحاتها الشعرية، من خلال ، تقول الشاعرة : ( لن أسألكَ/ لماذا اخترتني من بين النساء/ لتجرح الهواء العابر منّي إليكَ/ وتُعيده إلى غمده/ نديّا غائراً/ كمَن يُخبئ حزنا في شباكٍ/ لن نلتقي/ تتقدّم خطوة / أتسمّر خطوة/ تتقدّم خطوتان إلى الوراء/ تحمرّ كلّ الأحاديث التي ترفرف على حبل الهواء/ وبينما نقف على رصيفين متوازيين/ ترفع يدكَ مودِّعة / أرفع قلبي موزَّعة/ فيسافر الهواء الذي بيننا/ محمّلاً بما لم يُقل…) (ص17/18/19)، فمحكي “الأنا” ينطلق من برنامج سردي قوامه ذات ( الشاعرة) ترغب في موضوعها المتمثل في (الحفاظ على جذوة الحب متّقدة ودائمة) موجهة خطابها إلى المخاطَب (الآخر/ الرجل) ، إلا أن علاقة الاتصال المشار إليها ب(اخترتني من بين النساء) سيكون مآلها الانفصال المعبّر عنها بالجمل الآتية( لن نلتقي/ تتقدّم/ أتسمّر/ يدك مودّعة / وأنا أمضي في الطريق/ القدر يوغل منجله ويحصد كلّ المواعيد…) وقد أدت عوامل مضادة إلى ذلك (، من خلال ألفاظ تتمثل في ( التردّد، استحالة مواصلة المشوار، التيه، القدر ، السفر ، الليل ( الزمن وتقلباته، الخريف) فكان الصراع الداخلي “للأنا” يتجسّد ، من خلال، الملفوظات النصية السالفة، مما يعكس واقع التشظي “لأنا” شعرية توجّه رسائلها للآخر بلغة المكابدة والمعاناة والفقد(لابيت لي/ ولاطريق/ أيها النّفري/ ضاقت العبارة/ واتّسع القبر…) ص 14) في صور مجازية تزيد المعنى اتساعاً والرؤيا انفتاحاً على خلْقٍ جديد واحتمالات أخرى، ومن ثمّ فالعلاقة بين الأنا والآخر تقود إلى الشعور بالذات وبالكينونة أي أن ” العلاقة بين الأنا والآخر ليست انعكاسا بل هي علاقة خلْق، فأنا أخلق ذاتي وعندما أخلقها فإني أعطيها بعد الآخر”.
(2) الصيغ السردية وسؤال النوع الأدبي:
تطرقنا إلى كون “الأنا” تبني محكيها الشعري بواسطة السيرذاتي باعتباره بؤرة الخطاب الشعري، حيث تحضر حياة الشاعرة إما بشكل واضح أو مضمر في نصوص الديوان، اعتمادا على لغة ذات روح سردية، فصوت الذات هو السائد داخل منظومة نصية بأبعاد جمالية وفنية. وعليه فالحضور السردي في بنية الخطاب الشعري يهيئ أرضيتها الملائمة لتطور وتثوير الحكاية وما يرتبط بها من مكونات كالشخصيات من خلال أفعالها وسلوكياتها وحواراتها، وما يستدعي ذلك من اختيار الحبكة المناسبة والنسج. وسنروم الكشف عن الأبعاد السردية، غير أننا سنقتصر على صيغتين اثنتين وهما:

-1- السردالذاتي:

تعمد الشاعرة إلى تصيير نفسها محورا أساسا في النص، خالقة حركية في النص عبْر عرض وتقديم ذاتها في حالة عماء، والعمى هناك استعمل توظيفا مجازيا للتعبير عن علاقة الذات المتوترة مع الوجود المليء بالحروب والدمار والخراب والصراعات تقول: ( هذا عماي يقودني إلى/ النور/ وحدها الرؤية تضيء / الطريق/ أمشي واقفة/ فيما الأرض/ تدووووور/ إلى أين تقودني يدي العمياء/ في وضح الليل/ إلى نار تقضم ما تبقّى من أصابعي/ واحداً/ واحداً/ أم إلى جنّة ترتّب وسائدها كي أستريح/ لا تضغط على الزناد أكثر/ رصاصة واحدة تكفي/ كي يتفرّق سِرْب الحمام/ عن حبات قلبي/ ترانا كنّا نكتب أسماءنا على قفا موجة/ ونترقب عاصفة من ملح/ تُزوبعنا/ تُذرْرنا/ تُرمّمنا/ وتُلقمنا للريح ) (ص65/66/ 67/ 68) ففعل السرد يقول الذات بهذه المشاعر المتضاربة حيث العمى يحمل هوية إنسانية معيقة لرؤية الكائن، بل إن الذات تقلب الوظيفة السلبية للعمى بجعله النور الذي يضيء لها عتمات العالَم. وقد زاوجت الذات في بناء محكيها الذاتي بين حركة الأفعال السردية الاسمية وحركة الأفعال السردية الفعلية، وفق تتابع وحداتها السردية، مما حوّل النص إلى خطاب مفتوح على آفاق المغايرة بخلق سردية ذاتية شكّل العمى جوهر مكابدة الهوية الوجودية، وفرض الغوص في الباطن كآلية سردية للحدّ من التمزّق والانشطار. وما يثبت المنحى السردي، من خلال، اعتراف الذات في صور شعرية تعتمد التشبيه آلية تصويرية لتسريد وجودها وعواطفها بهذه المزاوجة الحركية بين حركة تدل على الدوام والاستمرارية وحركة تنماز بالدينامية والحيوية والتحول، وهي حركية تكشف جرأة الذات في مواجهة الآخر بلغة التحدي عندما تعبر (أنا أحبكَ أيها الغامض مثل أحجية/ مثل برتقالة أقشّرها فتنجرح أصابعي / ولا أنتحب/ مثل نجمة بعثرها الفجر/ مثل أغنية شقراء تشرق في مساء حزين/ اقفز من عُقَد الشّر/ لا تخف/ وانزل إلى قدر الهاوية/ كي نغلي معاً)(ص 34). فالبنية السردية تبرز عقدة الآخر وتحرّر الذات، من خلال، الإفصاح عن الحب بتصوير شعريّ عماده التشبيه وما تكرار (مثل) إلا تعبير عن رغبة الذات في إعطاء أبعاد مجازية، كما أن الأساليب الإنشائية الطلبية (فعل الأمر) (اقفز / انزل) تدل على المواجهة والتحدي لبلوغ واقع الحال المشار إليه (قِدْر الهاوية)، حيث الاحتراق والقلق سيد الواقع. وتصل الذات سرديتها في قولها:(أنا الآن أكنس الأنقاض/ بعد أن تفحمت رئتي/ أطرد الهواء المثقل بالغبار والحرائق/ أرمّم وجه المرآة/ أعيد تركيب الشظايا في دمي/ فينبت لي جناحان من زجاج) (ص) فالراوي يعلن الانعتاق من قيود الغير، والمؤدي إلى معانقة رحابة العالَم رغم هول العدم الوجودي.

-2- السردالمشهدي:

هذه الصيغة حاضرة في العديد من النصوص المؤثثة للديوان، وهي من الجماليات السردية التي تلعب دورا هاما في إضفاء البعد السينمائي على الخطاب الشعري، وقد اعتبر “تودوروف” السرد المشهدي العرض والرؤية معا في ذات الوقت والرؤية المصاحبة والشخصية التي يتحدث عنها، حيث يتداخل صوت السارد مع أحد الأصوات الفاعلة في النص، لكنه يكون أكثر إحاطة وإلماما بالمشهد، وله القدرة على تفعيله وتحريكه مع الحكاية في تفاعل ينمي الرؤية للسارد الفعلي، والذي يوظف كل الإمكانات الأسلوبية والفنية كالرؤية والتصوير، وعناصر اللغة كالوصف والحوار والتشخيص، فلنتأمل هذا المقطع الشعري الذي حاول فيه السارد الفعلي التعبير بواسطة آليات الوصف التصوير والتشخيص، هذه العناصر اللغوية حوّلت المجردات إلى محسوسات بأبعاد إنسانية تقول : ( في الشرفة الزرقاء المترعة على شهوة المراكب، تجلس المرأة العارية إلا من ضجرها/ وقبل أن تستيقظ الضوضاء من حولها، تعيد ترتيب صباحها . تنضو قميص النوم عن مسائها العليل. تفتح لقلبها قوسا بين موجتين، وتغلقه على دمعتين)(ص43). فالمشهد يمثل الرؤية الكلية للسارد حيث يقف راصدا ومتأملا الشرفة الزرقاء كمكان يحتضن الشخصية (المرأة العارية)، وسيرتها اليومية في المقام نفسه، لكن بتتابعية سردية قرّبت المشهد العام، وفي صور مجازية أضاءت تاريخ الشخصية حيث الضجر والغياب والعزلة والانتظار والحرمان والصدى، هكذا تتوالى المشاهد مسترسلة توهم بالواقعية، وتبنى بحبكة تصويرية ووصفية وتشخيصية تجعل الذات الساردة هي الشخصية البانية للحكاية عن طريق الأفعال السردية.
هكذا تشرع الشاعرة حفيظة الفارسي دفاترها المختلفة التسميات والأوصاف لتقول عالم الذات وسيرتها وحروبها المعلنة منذ النص الأول إلى ما لانهاية، على اعتبار الشعر حربا لغوية ضد كل ما من شأنه أن يمارس أصناف الإقصاء والقمع، ويتفنّن في نشر الخراب والدمار، حيث المجازات ذخائر الشاعرة تستثمرها وقت الكتابة.

على سبيل الختم:

بهذا العمل الشعري تفتح الشاعرة أفقا جديدا لشعرية تحمل في طياتها سؤال الكتابة. هذا السؤال المقلق والمحيّر والمحفّز على المغامرة لارتياد المغايرة، ذلك لأن تجربتها الشعرية تحفر مجاريها في صمت وتؤدة، وتقلب تلك الأراضي المنسية من الذات، بالمزاوجة بين الشعري والسردي، وبرؤية ثاقبة تصطاد العالَم بفخاخ المجازات والاستعارات والكنايات، لتجعله أكثر قدرة على تحريك مياه العاطفة المصابة بِجنون العالَم المادي.

الهوامش:

 

[1]- أحمد سامي سليمان: الاقتصاص وتداخل الأنواع الأدبية، مؤتمر النقد الدولي الثاني عشر، مج 1، ص 412،413.

2- يوسف ناوري: شعرية الغامض، منشورات بيت الشعر في المغرب، ط1، 2016، ص213.

3- فوزي كريم: شاعر المتاهة وشاعر الراية، الشعر وجذور الكراهية، منشورات المتوسط، إيطاليا، ط1، 2017، ص 32.

4- عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة، تحقيق ريتر، إستانبول، 1954، ص347.

5- محمد صابر عبيد: المغامرة الجمالية للنص السيرذاتي، عالم الكتب الحديث، إربد، دار جدارا للكتاب العالمي، عمان، د.ط، 2011، ص 217.

6- انظر بول ريكور: الذات عينها كآخر، ترجمة وتقديم وتعليق: جورج زيتاني، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، ط1، 2009، ص72.

7 – أمبرطو إيكو: القارئ في الحكاية، ت أنطوان أبو زيد، المركز الثقافي العربي، ط1، 1966، ص 88.

 


الكاتب : صلاح لبريني

  

بتاريخ : 15/12/2023