فنانون وجها لوجه مع الملك -18- الموسيقار عبد الواحد التطواني : أم كلثوم ترتجل على لحن صلاح الشرقي والملك يأمرني بأداء أغان إسبانية

هناك أحداث كثيرة ومواقف متعددة ،وذكريات تراكمت على مر السنين، منها ما تآكل مع مرور الزمن، ومنها ما استوطن في المنطقة الضبابية من الذاكرة، لكن تبقى هناك ذكريات ومواقف وصور ،عصية على الاندثار والمحو ،لأنها بكا بساطة ،كان لها في حينه ،وقع في النفس البشرية، ليمتد هذا الوقع إلى القادم من الأيام من حياة الإنسان.
في هذه الرحلة، ننبش في ذاكرة كوكبة من الفنانين ،حيث منحتهم إبداعاتهم ، تذكرة الدخول إلى قلوب الناس بدون استئذان، وهي إبداعات فنية ، استحقت كل التقدير والاحترام والتنويه داخل المغرب وخارجه، كما استحق أصحابها الاحتفاء بهم ، ويجدوا أنفسهم وجها لوجه مع ملك البلاد.
هنا نستحضر، ونسترجع بعضا من ذكريات هؤلاء الفنانين المبدعين مع ملوك المغرب ، بعدما صنعوا أسماءهم بالجد والاجتهاد والعطاءات الثرية كما وكيفا، واستطاعوا فرضها في ساحة تعج بالنجوم .

شهد القصر الملكي سنة 1969، حضور ألمع الفنانين المغاربة والعرب والعالميين من دول مختلفة، وهي مناسبة كانت سانحة للفنانين المغاربة من أجل الاحتكاك عن قرب بهذه المدارس الفنية المتعددة. طبعا من بين الأسماء التي حضرت إلى المغرب في ضيافة جلالة الملك الحسن الثاني، كوكب الشرق أم كلثوم، يتذكر الموسيقار عبد الواحد التطواني زيارة “الست “إلى المغرب في مهمة خاصة.
يقول عبد الواحد التطواني عن ذلك:
“في نفس سنة 1969 كانت الراحلة أم كلثوم حاضرة لأجل جمع المال للمجهود الحربي في عز الصراع العربي الإسرائيلي، وقدمت من أجل ذلك سهرات عامة وخاصة، وكان الملك الحسن الثاني متواجدا بمدينة مراكش، فقام باستدعائها للقصر الملكي، وكان الجوق الملكي حاضرا مع الجوق الوطني في هذا اليوم. وبينما كورال الجوق الوطني يردد ” أغنية يارسول الله خذ بيدي ” قامت الراحلة أم كلثوم من مكانها الذي خصصه لها الملك، واتجهت نحو الجوق وأمسكت بـ” الميكروفون ” وبدأت في ارتجال أشعار في مدح الرسول تتناسب مع لحن الراحل صلاح الشرقي، وحينما تنتهي هي من ارتجال الأشعار، يعود الكورال إلى ترديد اللازمة ” يارسول لله خذ بيدي ”، فتوجهت إلى الكورال وكنت سعيدا منتشيا وأنا أردد من ورائها، يارسول الله خذ بيدي“.
حكاية أخرى مرتبطة بالفنان عبد الواحد التطواني نفسه مع الراحل الملك الحسن الثاني، وعنها يقول:
“لن أنسى حين سألني جلالته رحمه لله ” هل تعرف اللغة الإسبانية ؟” فكانت إجابتي ” نعام سيدي “، فأمر جلالته الفنان محمد الشركي، الذي كنا نطلق عليه لقب ” ماتشين ” وهو اسم أحد الفنانين الإسبان الكبار، بتلقيني أغنية للفنانة الإسبانية ” ماريا دولوريس”، وأغنية أخرى لم أعد أذكرها، وكان قد أمر جلالته صباحا، لأقوم بأداء الأغنيتين مساء نفس اليوم، لم يفارقني ” ماتشين ” منذ خروجنا في الساعة الواحدة، وقام بتلقيني الأغنيتين بمنزلي، حتى الساعة الخامسة، ثم توجهنا بعدها لمقر العمل بالقصر الملكي، حيث قمت بالتمارين اللازمة مع الجوق الملكي. وبالمناسبة، فالجوق الملكي كان فرقة كاملة تستطيع عزف أي شكل من الأشكال الموسيقية، كما أنها تتوفر على كبار العازفين المغاربة. بعد التمارين توجهنا إلى القصر الملكي بالصخيرات. توجهت إلى مكاني وجلست، وحين قدم جلالته، وبعد السلام عليه، خاطبني جلالته: هل حفظت الأغاني؟ أجبت: «نعام أسيدي» .. أجاب: «سمعنا» …
توجهت نحو الميكروفون فغنيت أمام جلالته ما أمرني به، إلا أنني لم أتوفق بما فيه الكفاية، نظرا لأنني لست متعودا على الغناء باللغة الإسبانية، وثانيا لم يكن الوقت كافيا للقيام بذلك. لم أحس أن جلالته، رحمه الله، تبرم من عدم توفقي في الغناء باللغة الإسبانية، بل فقط أمر الراحل الدكتور بنيعيش أن يغني ما تبقى من الأغنية، وكانت هذه أول وآخر مرة غنيت فيها باللغة الإسبانية .
ومن الحكايات التي تروى ممن كانوا ضيوفا في القصرالملكي، أن الملك الحسن الثاني، رحمه الله، كان يفاجئ بعض الفنانين الكبار، الذين يحضرون إلى قصره، حيث يتدخل للتصحيح أو التذكير ببعض الأبيات الشعرية، التي يخطئ فيها هؤلاء الفنانون، ومنها حكاية رواها الفنان الراحل صلاح الشرقي، حدثت مع كوكب الشرق أم كلثوم.
يقول الفنان صلاح الشرقي الذي كان يعزف على» آلة القانون»، إن أم كلثوم غنت في حضرة الملك الحسن الثاني، أغنية «يا رسول الله خذ بيدي» لتنتقل بعدها مباشرة لأداء أغنية «فكروني»، وحسب الفنان الراحل صالح الشرقي، كان الحسن الثاني يتدخل ليذكر أم كلثوم ببعض الأبيات التي نسيتها من هذه القصيدة.
هذه الواقعة تفيد أن الملك الحسن الثاني لم يكن متذوقا للفن، وعازفا على آلة الأكورديون، بل مطلعا وحافظا للشعر، بما في ذلك كلمات الأغاني، ومنها أغنية « فكروني «، وهو ماجعل أم كلثوم تندهش لهذا الأمر.


الكاتب : إعداد : جلال كندالي

  

بتاريخ : 12/04/2023