في ندوة منظمة النساء الاتحاديات ومنتدى المناصفة والمساواة

حنان رحاب: الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يتقاسمان رؤيتهما للواقع الأسري

الذي يريدانه بعد تعديل مدونة الأسرة الحالية

شرفات أفيلال: الحزبان من مكونات الصف الحداثي التقدمي المعول عليهما

للرفع من جرعة الإصلاح خلال هذا الورش التشريعي

 

لم تمر سوى أيام قليلة على اللقاء الذي جمع زعيمي حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، والتقدم والاشتراكية، محمد نبيل بنعبد لله، بالرباط، للإعلان عن توقيع وثيقة التصريح السياسي المشترك، والتي كانت خطوة مفتوحة للتنسيق بين الحزبين في مختلف المجالات، حتى عقدت منظمة النساء الاتحاديات ومنتدى المناصفة والمساواة، ندوة بمدينة الدارالبيضاء تحت شعار «من أجل إصلاح شامل وجذري لمدونة الأسرة».

أكدت الكاتبة الوطنية لمنظمة النساء الاتحاديات أن الندوة التي تهم موضوع مدونة الأسرة، ما هي إلى بداية لسلسلة لقاءات مشتركة بين النساء الاتحاديات، والتقدم والاشتراكية، للإعلان أن قيم اليسار وقيم حقوق الإنسان التي تجمع الطرفين وانسجامهما لا يمكن أن تفارقاهما في ورش إصلاحي كمدونة الأسرة، إذ يتقاسمان بشكل كبير رؤيتهما للواقع الأسري الذي يريدانه بعد تعديل مدونة الأسرة الحالية وشكل وطبيعة الأسرة التي ينشدانها لمغرب ما يعد 2024، مشيرة إلى أن هذا  الورش المجتمعي الكبير المتعلق بمراجعة مدونة الأسرة والذي يعتبر ورشا مجتمعيا وملكيا في نفس الوقت، يحتاج إلى المواكبة عبر الحوار والإنصات وتبادل وتقاسم الرؤى للتغيير والمراجعة.
وشددت حنان رحاب على أن القيم النابعة من جذور المجتمع المغربي ومن طبيعة الأرض المغربية، لا تلغي أي مكون من مكونات الانتماء الأسري المغربي الذي يجعل من القيم المغربية أعلى مراتب تحديد طبيعة القيم المجتمعية، قائلة :» هي القيم التي قال عنها جلالة الملك محمد السادس في الدورة البرلمانية الأخيرة على أنها قيم توحد المجتمع المغربي وتؤطره، وهي قيم لا يمكن التنازل عنها، هذه القيم تتطابق أيضا مع مرجعيتنا اليسارية المؤمنة بالمواطنة الكاملة للنساء والرجال والمساواة الكاملة والمناصفة، وبأن الأسرة عماد هذا المجتمع».
كما اعتبرت الكاتبة الوطنية لمنظمة النساء الاتحاديات، أن المجتمع المغربي يحتاج قانونا يجسد المساواة والطبيعة المشتركة في تدبير شؤون الأسرة، ويجعل من المصلحة الفضلى للطفل ركيزة وأحد ثوابت الإصلاح والمراجعة، ويؤكد اختيارات المغرب في مجال حقوق الإنسان، والتزاماته الدولية، وأيضا يجعل من الأسرة الدعامة الأولى لبناء هذا المجتمع المغربي، وأن لا يمنح للاجتهاد القضائي مساحة أقوى من قوة القانون الذي سيصيغه المغاربة وسيمر عبر مسطرة التشريع وعن طريق البرلمان أي ممثلي الأمة، وأن يكون قادرا على أن يمنح الأسرة مواد وفصولا تدافع عنها لا أن يوضع بين هذا القانون مادة فوق القانون كله وهي المادة 400، قائلة :»ما بين رفضنا لتزويج القاصرات ورفضنا لاستمرار التعدد ورفضنا لتعدد مساطر الطلاق والتطليق مرورا بصعوبة ولوج الرجال والنساء معا إلى القضاء الأسري ثم الصعوبات التي تواجهها الأم الحاضنة والصعوبات التي تواجهها في تنفيذ النفقات، وفي مساطر تنفيذ النفقة والصعوبات التي يواجهها الأطفال عندما يتحولون إلى كرة تتدحرج بين الآباء والأمهات في حالة الطلاق ثم نهاية بمواد التعصيب التي تحتاج منا جرأة مجتمعية كبيرة تحمي الكثير من ضحايا هذه المواد، كل هذه التعديلات ستتم مناقشتها في إطار هذا النقاش المجتمعي الذي نتوخى منه الإنصات وتقاسم ومشاركة رؤيتنا لهذا الإصلاح ما بين النساء الاتحاديات ومنتدى المناصفة والمساواة».
بدورها رحبت رئيسة منتدى المناصفة والمساواة، شرفات أفيلال، بعودة مبادرة التنسيق بين حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، مؤكدة أن المذكرتين اللتين تم تقديمهما من طرف الحزبين حول مدونة الأسرة، متقاربتان إلى حد كبير، على اعتبار أن الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، هما من مكونات الصف الحداثي التقدمي اللذين يعول عليهما أكثر للرفع من جرعة الإصلاح خلال هذا الورش التشريعي، لأهمية قانون الأسرة الذي يؤثر على النصوص القانونية الأخرى، وحتى على سياسات عمومية لاتزال تكرس الميز بين النساء والرجال.
ورفضت أفيلال اعتبار مدونة الأسرة مدونة للمرأة مؤكدة أنها تعني جميع الأطراف في جزء ما من حياتهم سواء زوج أو زوجة أو مقبلين على الزواج أو مطلقين أو أرمل وأرملة، وأنه قانون يؤسس لعلاقة وتلاحم بين أفراد المجتمع على اختلاف وضعهم الاجتماعي، مشيرة إلى أنه وخلافا لما حاولت حملات التسفيه والتشويه أن تثيره بأنها للحداثيات اللواتي يُردن استنساخ أفكار مجتمع غربي ونقلها، فإن أساسها هو القيم المغربية الحقيقية، مؤكدة على أهمية رفع سقف الإصلاح لتكريس المبادئ الدستورية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين والعمل على أن يتناغم هذا النص التشريعي مع المقتضيات الدستورية ومقتضيات المواثيق الدولية.
نحن كأحزاب يسارية تقدمية ننهل من فلسفة المنظومة الكونية لحقوق الإنسان نريد أن تؤرخ هذه المرحلة لمرحلة مغرب متقدم ومتساو، ويحظر التمييز على أساس الجنس ويتملك فلسفة وروح دستور 2011 ولا يمكن أن نعول في هذه المرحلة إلا على الأحزاب المؤمنة والمقتنعة بحقوق النساء…
وكشفت رئيسة منتدى المناصفة والمساواة، أن مدونة الأسرة ستكون لها تداعيات على سياسات عمومية وأهم ورش ملكي يُقبل المغرب عليه هو ورش بناء منظومة الحماية الاجتماعية، مذكرة بأزمة كوفيد التي شهدت إخفاقات واختلالات كبرى على مستوى حملة الدعم التي قدمتها الدولة للأسر المعوزة، حيث تم إقصاء الكثير من النساء المعيلات لأسرهن بدعوى أن الدعم كان يوجه لرب الأسرة معتبرة أن هذا الأخير قد يكون إما مهملا أو مغادرا لأسرته ولا يتحمل مسؤوليتها، مضيفة في هذا الصدد:» لو أن المدونة كرست مفهوم المساواة بين الجنسين لكانت له تداعيات على نصوص قانونية أخرى كالقانون الجنائي وقانون الحالة المدنية وقانون الجنسية وقانون الالتزامات والعقود.. نحن كأحزاب يسارية تقدمية تنهل من فلسفة المنظومة الكونية لحقوق الإنسان نريد أن تؤرخ هذه المرحلة لمرحلة مغرب متقدم ومتساو، ويحظر التمييز على أساس الجنس ويتملك فلسفة وروح دستور 2011 ، ولا يمكن أن نعول في هذه المرحلة إلا على الأحزاب المؤمنة والمقتنعة بحقوق النساء، وفي هذه المرحلة تحديدا سنبرهن على من هو الحزب المناصر لحقوق النساء، والذي يتملك القيم العادلة والمنصفة.. ونعول كثيرا على الرفع من جرعة الإصلاح ونريد أن تؤرخ هذه المدونة لمغرب ما بعد 2024 يؤسس بالخصوص لفكر مساواتي منخرط ضمن المنظومة الكونية لحقوق الإنسان، ويراعي الأمور السوسيو ثقافية للمجتمع المغربي لأن القوانين مدى الحياة لا بد أن تبعث فيها روح جديدة ودم جديد.. ورغم تقديمنا المذكرة فالمسيرة لا تنتهي في هذا الحد هنالك أيضا مرحلة أخرى وهي دور المؤسسة التشريعية».
وقد عرفت الندوة جلستين ترأسهما كل من مهدي مزواري، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ورشيد روكبان، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، وشارك في إغناء النقاش عدد من الفاعلات الحقوقيات، اللواتي تطرقن لعدد من الإشكالات التي تعرفها المدونة الحالية، ويجب تعديلها بالمدونة التي يتم الاشتغال عليها كزواج القاصرات، والتعدد والطلاق والتطليق والنفقة، والحضانة والنسب والتعصيب، وتقاسم الأموال المشتركة والوصية وغيرها من المواد التي لا تكرس مبدأ المساواة بين المرأة والرجل.
مريم جمال الإدريسي، المحامية بهيئة الدار البيضاء تحدثت عن قضايا الوصية والتعصيب والفصل 400، حيث ذكرت بخطاب العرش سنة 2022، والذي تحدث عن التصور الذي يجب استحضاره في الحديث عن مدونة الأسرة، والذي ربطها بالتحديات الداخلية والخارجية التي يراهن عليها المغرب، والرسائل التي تفيد أن تعديل مدونة الأسرة وإعادة النظر فيها من الرهانات المعول عليها في تحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب، الذي لا يمكن أن تكون فيه النساء غير متمتعات بحقوقهن، كما دعت إلى إلغاء الفصل 400، مؤكدة أن المشرع قادر لما له من إمكانيات وقدرة على وضع هندسة تشريعية تغطي كل الاحتياجات القانونية للأسرة المغربية في إطار نصوص قانونية واضحة، وأن باب الاجتهاد مفتوح في الاجتهاد القضائي، وفي ما يتعلق بالوصية أكدت أن كل شخص من حقه أن يترك وصية لوارث أو لغير وارث لأنه هو الأولى والأجدر في تحديد من له الحق فيمن يعود له الحق في الملكية، ويجب أن يبقى حقا خالصا لصاحبه، وبالنسبة للتعصيب اعتبرت أن هنالك اجتهادا ربما كان يناسب حقبة معينة تحكمها أعراف وتقاليد كان الرجل حينها يتحمل أعباء ونفقات أسرته الصغيرة والكبيرة، مؤكدة على ضرورة القطع مع نصوص قانونية تنهل من اجتهادات بنيت على عادات وأعراف وتقاليد قديمة لا تناسب مغرب اليوم والتغيرات المجتمعية أو ما تقوم به النساء من أدوار.
أما المحامية بهيئة الدار البيضاء والنائبة البرلمانية لبنى الصغيري، فقد تطرقت في مداخلتها إلى موضوع الطلاق والنفقة، واعتبرت أن مدونة الأسرة تكشف يوما بعد يوم عن نواقص وإشكالات قانونية وقضائية ومعيشية يجب تجاوزها، موضحة أن النفقة والتطليق ربما قد لا يظهران بحجم إشكاليات أخرى مرتبطة بمدونة الأسر إلا أنهما عماد جميع المشاكل، مشيرة إلى أن المدونة في ما يتعلق بالنفقة تتحدث عن البت في أجل شهر، وهو ما لا يتم احترامه بسبب مشاكل التبليغ، كما أن مبلغ النفقة الذي لا يتعدى في أغلب الأحيان 700 درهم لا يكفي لإعالة المرأة لأطفالها، إضافة إلى إشكالية مسطرة التنفيذ.
بينما تطرقت الأستاذة الجامعية ونائبة رئيس مجلس النواب، نادية التهامي، لإشكالية زواج القاصرات مقدمة إحصائيات وأرقاما تدل على استفحال وارتفاع عدد زواج القاصرات، مما يشكل عائقا أمام تحقيق التنمية على اعتبار أن النساء لا يحققن استقلالا ماديا، وأن مكان الطفلة داخل المدرسة لا أن تتحمل أعباء أسرة، مؤكدة على ضرورة إلغاء الاستثناء قطعيا وإقرار 18 سنة لأهلية الزواج للمرأة والرجل لكي لا تصبح أي مقتضيات استثنائية مصدرا للتحايل.
من جانبها أكدت الأستاذة الجامعية سعاد بنور أن المدونة لم تحترم الدستور المغربي في المادة 32 لأنها، وهي تتطرق للحقوق، تطرقت لحقوق الطفل الناجم عن زواج صحيح وأنه ليست هنالك حماية قانونية للطفل غير الشرعي ما يدل على أنه ليست هناك مساواة.
وقبل ختام اللقاء الذي عرف تفاعلا كبيرا من قِبل الحاضرين، تطرقت الباحثة في حقوق الإنسان فاطمة الزهراء برصات، لموضوع الحضانة الذي يعرف أهمية كبيرة داخل الأسرة ويستمد أهميته لارتباطه بالمصلحة الفضلى للطفل، حيث يثار كإشكال في حال انتهاء العلاقة الزوجية، المتحدثة توقفت عند الأحكام المتعلقة بالحضانة في مدونة الأسرة، هذه الأخيرة التي حددت عدة شروط لاحتفاظ الأم بالحضانة وإسقاط الحضانة عنها، مؤكدة أن واقع التطبيق أبان عن عدة إشكالات ومن بينها زواج الأم الحاضنة مما يعني إسقاط الحضانة عنها إلا في بعض الحالات مما يضعها في حيرة بين الزواج أو الاحتفاظ بالحضانة بينما بإمكان الطليق أن يتزوج مرة أخرى دون أن تسقط عنه الحضانة إذا كان حاضنا، داعية إلى محاربة هذا التمييز وإعطاء الطفل الحق في اختيار البقاء مع أحد الوالدين في سن 12 سنة، كما تحدثت عن السفر بالمحضون خارج أرض الوطن داعية إلى أن تكون الولاية من حق الأم الحاضنة.


الكاتب : يسرا سراج الدين / تصوير: هيثم رغيب

  

بتاريخ : 22/12/2023