ليس ألما ما أمسك البلاء  وليس بلاء ما أغضب الحقيقة

 

ـ1 ـ
ندرك تماما كيف نرى، وكيف نسمع، ولكننا لا نرى ولا نسمع بإدراك جوهر حقيقة الحاستين ..
إنهما معا يملكان الوجاهة والظفر بالأشياء. بيد أنهما لا يتفاعلان في اللحظة ذاتها، التي تنساق العاطفة المضمرة خلالها، إلى تحويل القضية إلى مجرد هوى، أو فكرة عائمة، أو حالة مفردة، خارج الذات ..
قد ترى أشياءك بغير هدى. وقد لا ترى ما تهتدي إليه.
ثم قد تسمع ما لا تحب وترضى، فلا ترفض مداواة الأذن الخؤون بطي الأحداق عن النظر بالقلب، لأن ذلك يفشي سر صبرك على قهر السوء.
أليس يقول الحكيم : الرمد أهون من العمى!؟

ـ2 –

الاقتدارية ليست فلتة عقل. ولا حاجة لإطلاقها على وجه الاستنتاج الشخصي، المزاجي ..
الاقتدارية، هي سبق لغوي إبستيمي. جهد فكري نوعي غير مغالط للإواليات والتشكلات في الوعي والحصائل المعرفية ..
فإذا أنت نظرت للاقتدار كونه تربصا أو حالة ظاهرة فردية، فمن العبث أن يحصل بذلك طفرة الاستحداث والتقابل الزمني والنفسي.
المقصود أن تفهم قبل أن تدرك المعاني والأبعاد، لفكرة ما، بما يتضمن معاني النقد والتحليل والنظرة الموضوعية المحايدة وينضم إلى ذلك معنى الرفض.
وإذا أدركت وتجردت وناورت وأقحمت النظر وسموت به مقام التكليف، فارفع قلق المعنى كي ترى ما ترى، ويقتعد بين شخصك وشيئك، هويتك ..
هي ما يتبقى، وبعدها يموت فيك كل شيء، إلا اقتداريتك ( اليوطوبيا الروحية التي هي ملهمة الوجود وقدسية السيرورة)!  .. إنها حقيقة الجسم اللطيف المشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأرطب .

ـ3 –

لا تقل للجاهل شيئا. فأنت في ذمته إلى أن يموت في جهله.
وإذا انتقصك، فإنما يغلق عنك عداوته، كطلب اللذة بعد التعب، تخالفها لأنك تتشوق لمعاودتها، دونما حاجة لمعرفة غموضها.. طلب شاق، ولكنه منذور للتأمل والمكاشفة.
للجاهل أخلاق بلا إجابات، ونظر بلا فهم، وأشداق كتخمة الضباع، لا تستنفر اللسان إلا عند داعي العض والنهش.
هل تستكثر إذن أن يبوء الجاهل، بما بطن، وما حطب، وما استئذان؟
فأنت تخاطبه بالطبابة، وتشفق عليه، وهو ينازعك ويتهددك.
فاركع مستسلما أمام جهلك، كما قال جبران خليل جبران، فإنك إن علمت حقيقة نفسك، تكرشت نيتك، وخابت نوازعك، وتقصم الجنون الذي هو لجامك وانحدارك ..
قرأت في الأثر(أن الجاهل يظلم من خالطه، ويعتدي على من هو دونه، ويتطاول على من هو فوقه، ويتكلم بغير تمييز، وإن رأى كريمة أعرض عنها، وإن عرضت فتنة أردته وتهور فيها) .
وللحق، فقد تصايد الزمن نوادر من الجهال والجهالات، وأمعنت النظر فيهم، فهم يبَخِّلُونَ ويجبِّنُونَ، ويعتقدون الأشياء على خلاف ما هو عليه، كما يعدمون المعرفة بغير هدى..وهم إلى اضطراب العقل أقرب، وإلى الجفاء والتسافه والطيش أظهر.
وقديما قيل « لا ينتصف حليم من جهول»، وهو في قاموس المعاني، ما يضرب في غلبة الجهول للحليم، لأن الجاهل يزيد عليه في المهاترة، والحليم يربأ بنفسه من مغالبته في السفاهة .
نعم ، لقد صدق الشاعر إذ قال :
إذا بخَسَ الجُهّالُ قَدرَ فَضِيلَة ..
فلَيسُوا بها بالجاهِلِينَ فيُبْخَسَا

ـ4 –

..يقولُ فيروِي صدَى جاهلٍ
ويُعطي فيروي صدى حائم
السؤال : هل يكون حق الرواية بلسان الجاهل ؟
وجه الغرابة، أن الرواة مقصودون بقيمة صحة روايتهم. فإذا طفقت من الشك، خرجت عن تداولها .
ثم الصدى الذي يتردد بقهر الجهل، هو عنوان التردية والتهويم.
فما بال الجهال لا يقطعون حناجرهم من غلبة البؤس وقلة الحياء، وبور اللغو، وسفاهة المنحدر؟
لأنهم إن أدركوا ألا أفظع من جهل فاعل، علموا أن القبح الروحي يبوء بالفراغ والحشا الدنيء، فلا يسوء به ناظره، ولا ينثن صالحا أبر.
وإذا بالصدى الجهلاني، البطلاني، الشروري، يرجع حوما وعقرا وشنارا، وصنيعة شنيعة مريعة ..
وإذا الرواية منه، قطعة من حوم، وشرعة في حقارة، وجرس عدم وندم؟
فلننظر، كيف يرثي القبح الجمال، فيصير العمى (القلبي البصائري) عذابا ونكدا، وسقوطا كاشفا مفضحا للجهل والغباء؟!، بل وجها للجنون، حيث يمني صاحبه النفس إن فعل ذات الشيء مرة بعد أخرى، أن يتوقع نتيجة مختلفة، فيخرق الأرض بالخيال ويبلغ السماء في النوم، ويلحق بالمارستان.
واعجبي ..

ـ5 –
؛ أقرب الناس إلى الفهم أولئك الذين يصمتون في كل الأوقات
المستلذون بأرواحهم. هؤلاء يتعلقون بالمحسوسات، ويستوعبون المعقولات، على اختلاف درجات الإِدراكِ وصفاء التصَوُّر.
فالصمت ليس صورة للحكمة، ولكنه وعاء لجماع مقالها، ونطاق مؤنس لفرزها عن التيه والجنوح إلى الإطلاق .
ويقاس الفهم عند الصمت بإدراك الغاية. وإذا اكتفيت وهديت سرى بين النطق وفكره، سداد أو طمر نظر، أو وحي من قبس الخيال ..
فلا تستطيع الفكاك، من الورد الذي يعكسك، أناك المطمورة  في برك الشك، ممزوجا بيقظة عين ذئب في براري الهلاك ..
أين منا ذاك الصمت الطفولي، الذي يقتدر خلخلة الأصوات المزهوة بامتلاء ساقيها؟
صموتا خالصا لا يخالط معنى ولا مبهما؟
كأنما هو صمت المعري، (نطق، يظهر كامنا، ويقرر)
من وجه الكفاية عندما يكون من غاية الصمت ثراء الروح وقيمة الخلاص من الأهواء؟
ومن الأنانية أن نخضع للكذب، ونذعن له، فهو كنخرة الريح الشديدة، تبرد بعد عصف مكين وجعرة نكس سافرة.
سرعان ما يتهددها الألم، في غياب حجاب الصمت وناموسه العظيم على النفس والبدن.
كنت أقرأ بفرادة حكمة آرثر شوبنهاور وهو يبارز هذه الدمغة ( إن الأنانية تثير قدرا من الرعب، بحيث إننا اخترعنا السياسة لإخفائها، ولكنها تخترق كل النقب وتفضح نفسها لدى كل مصادف)؟
المشكل أن عوائل الصمت الذكية، حتى تلك التي تمرق في أرض جرباء، لا تستطيع أن تسلخ لحم فريتها عن فعال الحقيقة.


الكاتب : مصطفى غلمان

  

بتاريخ : 22/12/2023