«وَداعاً أَيُّهَا الدَّغَل، مَرحباً أَيَّتُهَا الفأس» للشاعر رشيد منسوم الإقامة في اللغة أو العبور بين ضفتين

صدر عن منشورات دائرة الثقافة بالشارقة، ضمن سلسلة إبداعات عربية، ديوان شعري للشاعر المغربي رشيد منسوم موسوم ب «وَداعاً أَيُّهَا الدَّغَل، مَرحباً أَيَّتُهَا الفأس» يقع في 248 صفحة/ طبعة أولى نهاية السنة الماضية(2021). الديوان الذي حفل بتقديم الشاعر عبدالحق ميفراني، مدير دار الشعر بمراكش، والذي قدم من خلاله سلسلة منشورات إبداع للدار، والتي تنفتح من خلالها على التجارب والحساسيات الشعرية المغربية المشكلة لشجرة الشعر المغربي الوارفة. الشاعر رشيد منسوم، والذي يعترف منذ البداية أن القصائد التي يحفل بها هذا الديوان، هي «لسعادة شخص يفرح/حين يقرأ هولدرلين؟». لكن، «ليس أكثر ضراوة / من حشد هذه الكلمات/ التي يومض عرقها/ والتي تشهد/ على شراسة الجحيم/ منذ بداية هذه القصيدة..».
إن اختيار ديوان الشاعر رشيد منسوم «وَداعاً أَيُّهَا الدَّغَل، مَرحباً أَيَّتُهَا الفأس»، نابع من إيمان دار الشعر بمراكش، بضرورة الانفتاح على التجارب والحساسيات الشعرية المغربية، وترسيخا لاستراتيجيتها في إطلاق سلسلة من الإصدارات، تلامس الجوانب الإبداعية والنقدية للشعر المغربي، وسعيا منها في المساهمة في التوثيق للتجربة الشعرية المغربية.
رشيد منسوم، شاعر ومترجم مغربي، عضو فاعل في العديد من المؤسسات الثقافية المغربية. يقيم، في كتابة الشعر، بين ضفتي اللسان العربي والفرنسي. له العديد من الإسهامات في مجال الإبداع الشعري والترجمة والإنتاج التربوي، كما نشر نصوصه الشعرية بعددٍ من المنابر العربية والفرنسية، الورقية والإلكترونية. شارك الشاعر رشيد منسوم في مجموعة من المهرجانات الشعرية والعربية مثل الملتقى العربي لقصيدة النثر، ومؤتمر قصيدة النثر المصرية..
في تقديمه لديوانه الشعري، يؤشر الشاعر رشيد منسوم على ما يلي: « يقال إن القنّاص ولو كان محترفاً لا بدّ له أن يعود يوماً ما إلى مكان الفريسة. في ما يخصّني، اكتشفت أنّي لم أكن أكتب إلاّ لأكذّب هذا الادعاء. حين أنتهي من النّص وأتركه جثّة هامدة من ورائي، أمضي بأحلام ه بكلّ هدوء من دون أن ألتفت إليه أو أن تتملّكني لحظة ندم.. في الشِّعر، خاسر من يعوّل على العودة إلى الأثر. خاسر من يعوّل على من يصنع الموسيقى من خفقة جناح الغراب. كلًّ ما عليك فعله هو أن تحمل لقاح هذه الغابة إلى أديم غابة أخرى أكثر خراباً. لهذا السّبب يدهشني «أندريه مالرو»
معلقا على جوهر الفن عند جيل دولوز حين يقول: «إنَّ الفنّ هو الشيء الوحيد الذي يقاوم الموت»..»
يمثل الشاعر والمترجم رشيد منسوم، أحد أهم الأصوات الشعرية الجديدة، الممثلة لزخم ما شهدته القصيدة المغربية الحديثة، نهاية الألفية الماضية. ومند ديوانه الأول « سلام عليكم، أيها النائمون » (2004) ثم « طُعم لأسماك طائرة»(2006)، لفت الشاعر منسوم، من خلال منجزه الشعري، كتابات المهتمين بالشعر المغربي. ولعل عبوره بين ضفتين وجغرافيتين شعريتين، أهله أن يكون صوتا متفردا، جعل من رهانات ومتخيل اللغة الشعرية، أفقا لقصيدته.
وصدرت له عام 2010 مجموعة شعرية موسومة ب »الصمت سيفعل شيئا ما»، كما ساهم في المؤلف الجماعي«مراكش التي كانت». وفي مجال الترجمة مؤلفين الأول بعنوان «أناشيد مراكش» و الثاني موسوم ب« الرقعة المضاءة بالغناء».
كما صدرت له باللغة الفرنسية «poèmes pour des poissons volants»  وعن دار النشر المشهورة أرماتون «Les ailes du silence». ويواصل الشاعر رشيد منسوم في ديوانه،
« وداعا أيها الدغل، مرحبا أيتها الفأس » مغامرة الكتابة الشعرية، من بوابة تحديث علاقة اللغة بالقصيدة. رهان قصيدة النثر، ليست معطى جزافيا مفتوحا على التنميط، بقدر ما يرسخ الشاعر منسوم، ومن خلال ما راكمه من منجز شعري ونصوص شعرية، أثرا بليغا في منظور تجربة قصيدة النثر المغربية. شاعر يروض اللغة، من خلال ما يفتحه من رؤى وصيغ بلاغية، معالم تنفتح عليها نصوصه ويتقرى من خلالها هذا اللانهائي. دخول لمعالم جديدة، قد تبدو مألوفة، لكنها أغوار للشاعر كي تصبح الغابة/العالم، والشاعر هذا المطلق المتفرد، والذي عبره تنكتب الكينونة في أقسى درجات التجلي والدهشة.
في ديوان الشاعر رشيد منسوم، والذي صدر عن منشورات دار الشعر بمراكش، إنصات بليغ للصمت، ولعوالم مفتوحة على البداهة، حيث الفأس والذئب والأشجار والشاعر يخوضون أثرا بليغا. كما يشكل الإصدار، إطلالة على تجارب شعرية حداثية اليوم في المغرب، تبني أفقها الخاص. عن تلك القصائد وأثرها المجازي، نقرأ في أحد إشراقات الديوان: «القصائد يداهمها الخريف أيّتها الغابة/ من دون أن تنتبه/ بينما الحدأة / التي كانت تخبّئ حيلتها / تحت عشب طري/ لم تعد مخالبها تملك/ حجّة مقنعة / ماعدا الذّهب الذي يلهث / خلف أوراق الخريف / سأفتّشُ في الضّفة الأخرى/ عن طرائد تتلألأ في الجحيم..».


الكاتب : عبدالحق ميفراني

  

بتاريخ : 12/02/2022