أُنطولوجيا الجسد (2) : تُراث الجسد

وردت خلفية القضية في تاريخ الثقافة الإنسانية عبر فكرة التَّوحُد بالطبيعة- كما في الثقافات الشرقية القديمة- لالتماس القوة واعتبارها الملجأ الذي يزود اجسامنا بالأسرار والإمكانات المطلوبة لمواصلة الحياة. ووردت أيضاً بشأن القوى الخارقة للأجسام كما عبرت الأساطير عن وجود الآلهة بأنصاف بشرية وبرؤوس حيوانية وطبيعية(الحضارتان الفرعونية واليونانية).
إن الرسوم الجدارية في معابد الفراعنة تحمل صوراً تخلط بين البشري والحيواني، وربما كانت الفكرة غريبة بالنسبة إلى المشاهد، لكن الحياة بينهما متصلة من زاوية أبعد. لأنَّ القوة المقدسة تحمل الجانبين طبقاً للخيال البشري، وهو خيال حسي أكثر التصاقاً بجسده وتداعياته. وبالتالي سيكون الشكل الهجين من جنس العمل مباشرة.
ثم مع تطور البشرية، ارتبطت الفكرة راهناً بصور النجوم العابرة للثقافات والجغرافيا: رجال السياسة والاعلام وقادة الحروب ورموز الفنون ونجوم الرياضة والمودة والأزياء. حيث اختفى “المسخ الأسطوري” للجسد ليعبر المعنى عن العبقرية والإتيان بشيء فائق الوصف. والآن أصبح الجسد كراساً عولمياً تدَّون فيه الأرقام القياسية (كموسوعة جينيس للأرقام القياسية) للإتيان بطاقات وألعاب وأفعال فوق المألوف.
لكن في ضوء الازدواج السابق، أليس هذا يفترض مصدراً متعالياً ( إله – طبيعة – مثال- تطور- نمط حُكم) وراء القضية؟ … وإذا كان الأمرُ كذلك، كيف تكون للجسد سلطةٌ ما؟ وإذا لم يكُّن كذلك، فبأي معنى تُعطى أهمية للجسد بحد ذاته؟ كيف ينتج الجسد معانيه عبر الممارسات الإنسانية؟ وما هو مصادر الثراء في تجاربه الحرة على صعيد السياسة والاجتماع؟ والأهم: هل ذلك يستوجب محاولة ترويضه في أنظمة ثقافية تستوعب طفراته أم أنَّه فوضوي، ثائر، خارج التوقُع؟
علماً بأنَّ ثمة دلالةً للسلطة لا تأخُذها إلاَّ في إطار الممارسات الثقافة، وهي دلالة التأثير الرمزي الذي يصلح لانتظام موضوعاتها وفقا لنسقٍ ما يخدم أهدافها، بينما الجسد هو “التكملة المتخيلة ” لما هو بيولوجي مباشر( الجسم) عبر تلك الثقافة. أي هما (السلطة + الجسد) يؤديان دوريهما ضمن الحياة الإنسانية إحاليَّاً أحدهما إلى الآخر. وهاجس اللغة كما يشير رولان بارت لا يغيِّب المعنى اللغوي الوجودي عما سبق، فالجسد آتٍ من التَّجسد، وهو الأثر الباحث عن سواه وهو أيضاً المتأثر إذ يمارس عملاً يعكس نمط العيش. إنَّه استعارة وجودية existential metaphor تملأ الفجوة بين الواقع والمأمول، ويصير الجسد كوسيط وراء الإحساس بامتلاء مجالات الحياة.
الفكرة أنَّ احتكار السلطة بواسطة اللاهوت والأساطير( وأحفادهما) كان يعقبه احتكار (واحتقار) عمومي للأجساد، إذ يطلب منها القيام بأعمال معينة بحكم الخضوع لإملاء هذه الأشياء. وأنَّ تحرر السلطة من عنف الأسماء المفارقة كان تحرراً للجسد أيضاً عن طريق حرية الأفراد وفرص الحياة الكريمة واختيار ما يليق بالإنسان وزيادة الوعي. فجسدي الحر هو الشرط الرمزي لوجودي الاجتماعي والسياسي، وله كامل الأنشطة الممكنة التي تحقق خيالاً اعيش واتصرف بناء عليه. وسأجد الصدى مواتياً فيما عليَّ نيله من حقوق داخل حدود المجال العام وممارساته بدءاً بالفرد وانتهاء بالدولة.

تحولات الجسد

إنَّ تحولات الجسد استوعبت السلطة وأثارت حفيظتها بالوقت نفسه. لا تخشى السلطة شيئاً قدر ما تخشى من تحرر الجسد، لأنَّه يهدد كيانها الحي الذي يلتقي مع الجسد وينازعه الوجود. مما جعل الصراع على مساحة التحرر مشتعلاً مع تغيرات السياسة وأنظمتها. المفارقة أنَّ الدور المزدوج كان رهاناً على امتصاص عنف السلطة وفلترته لصالح أشكال جديدة من الأجساد. ليست الليبرالية سوى جزء من هذا الرهان، وحتى ما بعد الليبرالية بمجمل انفتاحها إنما هي سياسة لفتح مجال الجسد. فمع فرص التحول يكون الجسد قادراً على التمتع بسلطةٍ من نوع ما وباستطاعته أنْ يدبر شؤونه الخاصة.
الحقيقة أنَّ دلالةَ الجسد تنشأ من كونِّه قوة قابلة للتأثير والتأثُر، أي أنَّه وسيط فعال فوق العادة لأشياء قد تأتي غالباً بحكم تفاعل البشر. فتكوين المجتمعات يفترض سلفاً هذا الوسيط الذي يلتزم بآلياته ومظاهر حركته. الأمر فيه جانبان: احدهما الوجود المرتبط بالرغبة الممتدة كبناء شعوريٍّ يجمنا والآخرين، كلَّ الآخرين. فلا يوجد إنسان دون غرائز ولا إمكانيات حسية يكاد يلامسها أيُّ من يدركه.
وذلك يفترض التأثير المجاوز لحدود الجسد في مجاله المعروف. وهو ما يجعل الرغبة – كدالٍّ صائر دون توقف- موضوعاً للآخر ويجعل إمكانية القوة الكامنة فيه واردة باستمرار. ومن ذلك نشأ ما اسميه الوجود معاco-existence وهو المتحقق انسانياً ولغوياَ كما ترى جوليا كريستيفا، فما يميز تاريخ الانسان هو الإحساس بغيره، أنَّه الكائن الذي يأخذ آخريته بعين الوجود ولا يستطيع العيش دونها. فاللغة لا تأخذ امكانياتها الدلالية إلاَّ برغبة تجاه الآخر، التكلم هو ترجمة لرسالة ما كانت لتخرج دون وجوده، والكتابة هي الغياب الذي يغزل خيوط ما يستحيل حضوره، هي تفترض ترك حروف وكلمات وصيغ لمن يأتي في وقتٍ ما.
أما الوجه التالي، فهو البعد الرمزي الذي يحل محل البعد المادي الأول عبر فضائه غير المدرك. أي هو الشيء الحاضر حين يغيب الآخر مادياً عن قصد أو دونه. فالرمز شيء يحضر مكان شيء غائب دلاً عليه. وكلمة الشيء لا مهرب من استعمالها، فلا يسعفنا معجم اللغة تعبيراً عن رموز بصيغ لا تشير إلى معطياتٍ ما.
الموت -على سبيل المثال- يُعرف أنَّه فقدان لروح الحياة في الكائن، لكن ما هي ماهيته؟ ما طبيعته؟ هو وضع رمزي يفعل دلالياً داخل الجسد وخارجه، وهنا يعرِّفنا اللاوعي والخيال أبعاداً أخرى في شكل اللاجسد. ولا يعني ذلك تصفيةً لقضايا الجسد بمعطاه الحي لكنه يمثل وجوداً من نوع خاص.
بالتدريج التاريخي يمكننا- لإتمام الفكرة- رصد تحولات الجسد من الخارج إلى الداخل واضعاً السلطة في احراج تكويني ومحاولة التحرر منها. أي أنَّه عبر مراحل التاريخ الأولى في ” تراث الجسد” حتى النهاية خضع الجسد لسلطة ما، استغرقت دلالاته بالنسبة إليها وبالنسبة لحياته. فهي تهتمُ بالجسد نظراً لاعتباره امتداداً لها، فعلَّيه أنْ يكون موجوداً بينما هي تنتظر منه مزيداً حين لا تكون (في غيابها الظاهري).
ولكن ” الجسد” استطاع أن يتحول مستثمراً الفجوات الثورية لبنية السياسة والمجتمعات الإنسانية. كان عليه بلوغ أقسى درجات التكيف وانتزاع مصيره الأنطولوجي تعبيراً عن طبيعته. المدهش أن مسار الجسد يدفع بالأمور لصالحه حتى اللحظة الأخيرة. أي بنفس منطق السلطة يقارعها الجسد طبيعة بطبيعة محاولاً تصفية كتلته الحرجة والتي تثير غرائز التوحش لدى السلطة حين ترى جسداً متمرداً.


الكاتب : عبد العالي سامي

  

بتاريخ : 03/07/2021