الدولة الوطنية والبعد الامبراطوري في ملكية محمد السادس -37- ‭ ‬البعد‭ ‬التراجيدي‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬‮..‬تنازل‭ ‬مولاي‭ ‬حفيظ‭ ‬عن‭ ‬المسؤولية‭ ‬أمام‭ ‬الله‮..‬

‬كل‭ ‬هاته‭ ‬التطورات‭ ‬تتنبأ‭ ‬بصعوبة‭ ‬تجاوز‭ ‬البعد‭ ‬الرعوي‭ ‬للمسؤولية‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تطورات‭ ‬الإطار‭ ‬المؤسساتي،‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬يتيح‭ ‬ذلك‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬دستورا‭ ‬جديدا‭ ‬وإنشاء‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للقضاء،‭ ‬إعادة‭ ‬تنشيط‭ ‬المجلس‭ ‬الدستوري،‭ ‬برلمان‭ ‬بصلاحيات‭ ‬واسعة،‭ ‬انتخابات‭ ‬نزيهة،‭ ‬ومجتمع‭ ‬مدني‭ ‬دينامي‭. ‬والمحطات‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬ذهبت‭ ‬فيها‭ ‬آليات‭ ‬تحميل‭ ‬المسؤولية‭ ‬والمحاسبة‭ ‬عليها‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬مطافها‭ ‬تصادف‭ ‬اللحظات‭ ‬التراجيدية‭ ‬‮..‬

 

‭ ‬شكل‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقيات‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الأوروبية،‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬منعطفا،‭ ‬وقد‭ ‬أدت‭ ‬المسؤولية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬السلطان‭ ‬بمفاهيم‭ ‬وتصورات‭ ‬مغايرة‭ ‬عن‭ ‬الدولة‮.‬‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬للاتفاقيات‭ ‬التي‭ ‬غيرت‭ ‬من‭ ‬المعطى،‭ ‬ومنها‭ ‬اتفاقية‭ ‬لالة‭ ‬مغنية‭ ‬1844‭ ‬واتفاقية‭ ‬مع‭ ‬انجلترا‭ ‬حول‭ ‬الحماية‭ ‬1856‭ ‬واتفاقية‭ ‬تطوان‭ ‬في‭ ‬1860‭ ‬واتفاقية‭ ‬مدريد‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬حول‭ ‬منح‭ ‬الحمايات‭ ‬1880،‭ ‬كان‭ ‬لها،‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬آثار‮.‬‭ ‬أبرزت‭ ‬مسؤولية‭ ‬السلطان‭ ‬كرئيس‭ ‬دولة‭ ‬إزاء‭ ‬القوى‭ ‬الأجنبية،‭ ‬والتي‭ ‬اتخذ‭ ‬التزامات‭ ‬إزاءها‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬غيرت‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬ودائرة‭ ‬مسؤوليته‭ ‬إزاء‭ ‬شعبه،‭ ‬حيث‭ ‬بدا‭ ‬السلطان‭ ‬مسؤولا‭ ‬عن‭ ‬رعاياه‭ ‬وعن‭ ‬تراب‭ ‬محدد‭ ‬وكل‭ ‬الانتهاكات‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬فيه‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الحركة‭ ‬الحفيظية،‭ ‬أي‭ ‬المساءلة‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬لها‭ ‬السلطان‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬أخيه‭ ‬مولاي‭ ‬حفيظ‭ ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقية‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭ «‬الخزيرات‭ ‬في‭ ‬1906‭»‬،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬فرصة‭ ‬أفضل‭ ‬لفهم‭ ‬هذا‭ ‬الظهور،‭ ‬حتى‭ ‬ولربما‭ ‬كان‭ ‬عابرا‭ ‬وجزئيا‭ ‬وملتبسا،‭ ‬لمسؤولية‭ ‬السلطان‭ ‬إزاء‭ ‬شعبه‭ ‬عبر‭ ‬تحوير‭ ‬وتغيير‭ ‬دلالة‭ ‬فعل‭ ‬البيعة،‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬بيعة‭ ‬ابن‭ ‬المواز‮(‬‭ ‬أبو‭ ‬العباس‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الواحد‭ ‬الحسني‭ ‬السليماني‭ ‬الشهير‭ ‬بابن‭ ‬المواز‭ ‬الفاسي،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬فاس‭ ‬المرموقين‭ ‬الذين‭ ‬أفتوا‭ ‬بخلع‭ ‬السلطان‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬ومبايعة‭ ‬أخيه‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬الحفيظ،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬كاتب‭ ‬تلك‭ ‬البيعة‭ ‬الفاسية‭ ‬المشروطة‭ ‬بطرد‭ ‬الفرنسيين‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬المحتلة‭ ‬بالمغرب‭ ‬في‭ ‬1908‭ ‬م‮)‬،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬اعترافا‭ ‬بالنصر‭ ‬بملكية‭ ‬تراب،‭ ‬بل‭ ‬عقدا‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭ : ‬العلماء‭ ‬ورؤساء‭ ‬الزوايا‭ ‬والأعيان،‭ ‬وبين‭ ‬الطامح‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬وهو‭ ‬هنا‭ ‬مولاي‭ ‬حفيظ‮.‬‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬كان‭ ‬الوضع‭ ‬الاعتباري‭ ‬للسلطان‭ ‬رهينا‭ ‬ومرتبطا‭ ‬بالاعتراف‭ ‬الدولي،‭ ‬فلكي‭ ‬يكون‭ ‬سلطانا‭ ‬كامل‭ ‬الصلاحيات‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬السلطان‭ ‬مولاي‭ ‬حفيظ‭ ‬أن‭ ‬يحظى‭ ‬بالاعتراف‭ ‬به‭ ‬كمحاور‭ ‬ذي‭ ‬سيادة‭ ‬مكان‭ ‬شقيقه،‭ ‬وكان‭ ‬هدا‭ ‬التعاقد‭ ‬بالأساس‭ ‬يلزمه‭.‬
ولطالما‭ ‬تم‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬السلطان‭ ‬مولاي‭ ‬حفيظ‭ ‬من‭ ‬نظارات‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وبالأخص‭ ‬الاستقلال،‭ ‬أي‭ ‬باعتباره‭ ‬سلطانا‭ ‬باع‭ ‬بلاده‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المال،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬راحته،‭ « ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسرد‭ ‬موقف‭ ‬علال‭ ‬الفاسي،‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يهمنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الحركة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬كانت‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬مولاي‭ ‬حفيظ‭ ‬رمزا‭ ‬لمقاومة‭ ‬الأجانب،‭ ‬وكانت‭ ‬تنتظر‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمصلحة‭ ‬القومية‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بإلغاء‭ ‬كل‭ ‬الامتيازات،‭ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬الإصلاح‭ ‬السياسي‭ ‬إخراج‭ ‬الدولة‭ ‬‮.‬من‭ ‬النظام‭ ‬الأوتوقراطي‭ ‬نحو‭ ‬حكومة‭ ‬ديموقراطية‭ ‬تضمن‭ ‬للأمة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬أوضاعها‭ ‬وإصلاحها،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الضغوط‭ ‬الأجنبية‭ ‬ورفض‭ ‬فرنسا‭ ‬الاعتراف‭ ‬بجلالته‭ ‬دفعه‭ ‬نحو‭ ‬سلوك‭ ‬سياسي‭ ‬غير‭ ‬منتظر‭ ‬اعتبره‭ ‬الشعب‭ ‬تنازلا‭ ‬غير‭ ‬منتظر‭ ‬من‭ ‬طرفه،‭ ‬ولهذا‭ ‬ثار‭ ‬الشعب‭ ‬مطالبا‭ ‬الملك‭ ‬بالوفاء‭ ‬بوعوده،‭ ‬وقد‭ ‬أفضت‭ ‬الحادثة‭ ‬إلى‭ ‬مهاجمة‭ ‬فاس‭ ‬حاضرة‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬القوات‭ ‬الفرنسية‭ ‬وإعلان‭ ‬الحماية‭ ‬في‭ ‬30‭ ‬مارس‭ ‬1912‭».‬
‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬يقدم‭ ‬لنا‭ ‬التجميع‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬محمد‭ ‬القبلي‭ ‬قراءة‭ ‬مغايرة‭ ‬وجديدة‭ ‬لتلك‭ ‬اللحظة‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬السلطان،‭ ‬عكس‭ ‬ذلك،‭ ‬سلطان‭ ‬الحكمة‭ ‬والمعرفة،‭ ‬سلطانا‭ ‬عادلا‭ ‬قام‭ ‬بكل‭ ‬المحاولات‭ ‬لإنقاذ‭ ‬بلاده‭ ‬لكنه‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬محكوما‭ ‬بموازين‭ ‬القوة‭ ‬لغير‭ ‬صالحه‭ ‬قادته‭ ‬إلى‭ ‬التبعية،‭ ‬ففضل‭ ‬التنازل‭ ‬‮.‬‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القراءة،‭ ‬التي‭ ‬تذهب‭ ‬بعيدا‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للسلطان‭ ‬مولاي‭ ‬حفيظ‭ ‬ـ‭ ‬بعيدا‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬إسلاميي‭ ‬البيجيدي‭ ‬الذين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬تمت‭ ‬تنحيته‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬العلماء‭- ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬مهمة‭ ‬لأنها‭ ‬تعرض‭ ‬علينا،‭ ‬لمدة‭ ‬العشر‭ ‬سنوات‭ ‬السابقة‭ ‬عن‭ ‬الحماية،‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬أو‭ ‬فهم‭ ‬المسؤولية‭.‬
أولا،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬تبرير‭ ‬الفعل‭ ‬الحفيظي‭ ‬يستند‭ ‬بالضبط‭ ‬على‭ ‬المسؤولية‭ ‬القصوى‭ ‬للسلطان‭ ‬أمام‭ ‬مجيء‭ ‬الأجانب‮.‬‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمولاي‭ ‬حفيظ‭ ‬وأنصاره‭ ‬كان‭ ‬اندلاع‭ ‬الجهاد‭ ‬وخوضه‭ ‬هو‭ ‬السلوك‭ ‬المسؤول‭ ‬الوحيد،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يبرر‭ ‬حربه‭ ‬ضد‭ ‬شقيقه،‭ ‬ويذكرنا‭ ‬العروي‭ ‬بذلك‭ ‬قائلا‮«:‬‭ ‬لا‭ ‬تتسامح‭ ‬قواعد‭ ‬الفقه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬حيث‭ ‬السلطان‭ ‬مجبر‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬الجهاد‭ ‬ضد‭ ‬العدو‭ ‬الكافر‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الشروط‭ ‬والنتائج‭ ‬المرجوة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الجهاد،‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬دوما‭ ‬ممكن‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يقم‭ ‬بهذا‭ ‬الواجب‭ ‬فإن‭ ‬جزاءه‭ ‬هو‭ ‬العزل،‭ ‬وهذه‭ ‬قاعدة‭ ‬عامة‭ ‬ليست‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬المسلمين،‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬الأمير‭ ‬المنهزم‭ ‬يتعرض‭ ‬منطقيا‭ ‬للتضحية‮.‬‭ ‬وتمثل‭ ‬أحداث‭ ‬1908‭ ‬ظاهرا‭ ‬ثورة‭ ‬ضد‭ ‬رفض‭ ‬القتال،‭ ‬ولهذا‭ ‬نجحوا،‭ ‬وحتى‭ ‬الأعداء‭ ‬فهموا‭ ‬تلك‭ ‬الأهداف‭. ‬الثورات‭ ‬تتشابه‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬ميكانيزماتها‭ ‬لكنها‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬غاياتها‭ ‬وأسبابها‭ ‬التاريخية‮…‬‭ ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬الوضعية‭ ‬في‭ ‬مغرب‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬بكل‭ ‬مكوناته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬كان‭ ‬وضعية‭ ‬تخلف‭ ‬وعزلة‭ ‬وتشاؤم‭ ‬واتهام‭ ‬الذات‭ ‬والآخر،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليساعد‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬حركة‭ ‬واعية‭ ‬وناضجة‭ ‬ومنفتحة‭ ‬على‭ ‬المستقبل،‭ ‬ثورة‭ ‬للتجديد‭ ‬والإصلاح‭ ‬‮..‬‭ ‬وأحداث‭ ‬1908‭ ‬تمثل،‭ ‬ولا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تمثل،‭ ‬غير‭ ‬ثورة‭ ‬مضادة‭. ‬‮»‬


الكاتب : n عرض وترجمة: عبد الحميد جماهري

  

بتاريخ : 29/04/2024