المشهد الصوفـي -25- معالم من المد الصوفي أيام ازدهار الطائفة العيساوية بمدينة مكناس واستفادة الشيخ العلمي من تراثها

إن القراء اليوم المولعين بـ «تراث فن الملحون» الأصيل يريدون أن يتعرفوا – بدورهم – على بعض الجوانب الخفية من حياة فرسان الزجل بالمغرب، وهي جوانب جد هامة ومفيدة، ظلت مخزونة بين ثانيا الصدور، ومحفوظة في الذاكرة الشعبية زمانا غير يسير، وعلى تعاقب الأجيال المغربية ؛ وقد رصدنا من أجل توثيقها مجموعة من اللقاءات والمهرجانات الفنية أزيد من خمسة عقود خلت.
نعم، إن هذه المرويات التي تروى حول بعض شعراء الملحون على اختلافها في بعض المدن المغربية لا يزال يحفظها أهل الملحون بالتواتر، جيلا عن جيل، مما يجري في كل منتدى من منتدياتهم، وفي كل محفل من محافلهم. إنها مرويات تكشف عن خفايا إنتاجات هؤلاء المبدعين، وعن ألغازها، ومعمياتها، بل من أجل العمل على تقريبها من الأذهان، والأذواق، فيحاول الدارسون، والباحثون، تقديم ذلك سهلا ومبسطا إلى جمهور عريض من القراء والمولعين بفن الملحون؛ في كل غرض من أغراض القصيدة الزجلية –على تعدد أشكالها الفنية، وأجناسها الأدبية -. ومن الأسماء اللامعة في هذا الفن، اسم قد ظل– في كل وقت وحين- تردده الشفاه وتستشهد بمعانيه العقول والأرواح، بل يرن صدى بدائعه وروائعه في كل وسط من الأوساط، في الغدو ، والرواح.

كان العهد السعدي عهدا حافلا بالمغامرات السياسية، والتطورات الاجتماعية، والانتفاضات الدينية، وبغيرها مما أفرزته ظروف تاريخية عامة ؛ ففي هذا العهد – بالذات – تعددت الرباطات الجهادية الصوفية في مختلف جهات المغرب – وخصوصا في المناطق الساخنة منه سياسيا -، مما جعل الناس يسمون هاته الفترة العصيبة في تاريخ المغرب : «صَابتْ الأولياء»، إذن، فالمتتبع لأحوالها سيلاحظ – على وجه الظاهر – مساندة السعديين الشرفاء للتيار الصوفي في كل مظهر من مظاهر الحياة الدينية، كما يلاحظ – أيضا- أن بعض الفقهاء، وأهل الرأي في البلاد، كان لهم جانب خفي وآخر ظاهر في مقاومة الطرقيين، وأهل الزوايا المارقين؛ حماية للثغور مما أحدثه الزحف الاستعماري على الشواطئ المغربية من أجل تسخير إمكانيات المغرب والاستفادة من استراجيته، فتعددت – في هاته الفترة التاريخية الحرجة – مواقف أهل الزوايا، وتنوعت اتجاهاتهم، ومشاربهم إزاء ما كان يحدث بالبلاد، و – أيضا – في اتجاه معارضة البعض في النقد للسياسة الداخلية : إنها مواقف امتزج فيها الدفاع عن العقيدة، بالدفاع عن المصالح الخصوصية السياسية مما جعل المُتتبع لهذا الشأن قد لا يستطيع – في غالب الأحيان – أن يجرد هذه الزاوية ، أو تلك عن بعض مصالحها السياسية، والدينية الخفية وما تخططه لأتباعها، ودُعاتها من بعيد، أو من قريب؛ ويرى بعض الباحثين أن ظهور الطائفة العيساوية – مثلا – بمكناس، كان يعتبر في حد ذاته تعبيرا آخر عن حاجات البيئة الاجتماعية الدينية الصوفية للعوام من وراء ستار، هذه الحاجات التي كانت تحتاج إلى تخليص الجماهير العريضة من معاناتها، وضائقتها، وأن يفتح أمامها سبيل واضح، لانتشالها من براثن الفوضى، والاضطرابات السياسية، والاجتماعية، والدينية إلى حين؛
نعم، إن ظهور الطائفة العيساوية بالمدينة الإسماعيلية مكناسة الزيتون قد سار في مسارين اثنين : المسار الديني الصوفي المعروف عن الطائفة، ومسار آخر ظل مجهولا محتشما يعيش في خدره من وراء ستار، لم يكشف عنه إلا ميراث هذه الطائفة، وتراثها على تعاقب الأجيال المغربة منذ القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي ؛ وقد لمسنا فيما جمعناه من نصوص ، ووثائق، وما ظل محفوظا بين جانحتي صدور المريدين والأتباع، أن هناك أسلوبا سليما من أساليب الدعوة إلى توحيد الصفوف، وجمع الكلمة وتنوير بصائر الناس، وإيقاظ هممهم من خلال تراث الشيخ الهادي بن عيسى – رضي الله عنه – وطوائف صوفية أخرى، تنحو بدورها هذا المنحى الإصلاحي بالمغرب . (تنظر إصدارات المؤلف في هذا الباب)؛
وقد كان الشيخ بن عيسى نفسه يغتنم كل فرصة تجمعه بالمريدين والأتباع، وحتى أولئك الذين كانوا يأتون إليه قصد التبرك منه، والدخول في طريقته ؛ نعم، كان – رضي الله عنه – يعظهم، ويرشدهم، ويوجههم لخدمة الصالح العام، بل يدعوهم جهارا إلى العمل الاجتماعي الذي يصون كرامة الدين في جوهر مباديء، ويحفظ ماء وجوه مُعتنقيه، لاسيما في عصر بدأت فيه شواطيء البلاد تحتل من قبل الأجنبي الغاشم الماكر ؛ و هذه الخطبة من خطبه السنية كان يلقيها الهادي بن عيسى أمام وفد العشرة من مريديه، تعد شاهد إثبات على توجيه مريديه وأتباعه توجيها ينير البصائر، ويفتح العيون على ما يقع في البلاد، وهذا يؤكد الجانب السياسي في صفوف المتصوفة بأسلوب حكيم، ومن وراء ستار وفي ذلك دعوة جهارا منه إلى إصلاح أحوال الناس عامة ؛
فهذا وفد العشرة يوجه إليه الخطاب التالي:
«… إنكم جئتمونا كما عهدناكم، محبين لآل البيت، عترة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، فأنتم تودون العهد والصحبة، وتريدون الدخول في الطريقة، والخضوع لرسومها، ووظائفها، فيما دخل فيه إخوان لكم، تخافون من نفوسكم أن تزيغ عن الهدي المستقيم ولا يكبح جماحها، والخوف من زلاتها، ورعونتها، إلا النفس اللوامة، وبها يسكن القلب، ويتحكم صاحبها في الأوامر الموجهة للجوارح والأعضاء، فلا تتصرف إلا بما يعنيها، وبما فيه الخشوع، والخضوع لله تعالى.
نعم، تخافون من ربكم، خوف السالكين الواصلين، ولذا، نور الله قلوبكم بالتوفيق والهداية؛ فألسنتكم لم تنطق أمامنا إلا بما ترون فيه رسما من رسوم الطريقة، وهديا من هديها؛ فروائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها، وتغلب عليهم دلائلها، وأماراتها، وإن أخفوها، وتدل عليهم دلالة واضحة وإن ستروها وفقكم الله إلى رشده، والسلام عليكم ورحمة الله (عن كتاب: الخطب السنية لشيخ الطريقة العيساوية – مخطوطة).
وتـَروي ذاكرة مكناسة الزيتون، أخبارا كثيرة عن سفر الشيخ محمد بن عيسى – رضي الله عنه إلى مراكش لزيارة الوَلي الصالح سيدي عبد العزيز التباع لأخذ الإذن بقراءة كتاب: دلائل الخيرات، وفي طريقه إلى زاوية شيخه التباع، شاهد رجلا من البهاليل، يستجدي المارين بقارعة الطريق، فلما اقترب منه، قام الرجل المتسول، فاعترض طريقه وقال له:
جئتنا طالبا راغبا، فأهلا وسهلا بضيفنا العزيز، فالخير كله في محبة الناس، والتودد إليهم، واعلم بأن الطريق أمامك طويل وشاق، والمَدد قصير، وقليل، وسيطبع لك شيخنا؛ وحين تأخذ منه زادك، وتستعد استعدادك القوي فارجع إلى بلدك، ففيها المحبون والأتباع، وفي جارتها «فاس» الغوث، والمَدد ؛ ولا تنس نصيبنا من الدعاء لنا ولأتباعك؛ قال الشيخ بن عيسى : فقلت في نفسي، والله إن لهذه المدينة «مراكش» لشأنا عظيما، ففيها الصالحون من دَرجة لا أرقاها، ومقامات تجد فيها النفس مبتغاها، ومُناها ؛ فالمكاشفة حبر من الإلهام، به تكتب سرائرهم، وتعرف حاجاتهم، ووالله لا أدري كيف تمت مكاشفة هذا الرجل لحالي، ولما جئت من أجله إلى هذه المدينة ؛ فلما علم الرجل بما يجيش به صدري، ولا ينطق به لساني، رجع إلى مكانه وغمغم ، ثم أخذ يقول:
«شيخك زَنْبيل، وقـَنـْديل، و مَنديل، وانصرفت إلى حال سبيلي وفي النفس ما فيها من الشوق الكبير إلى معرفة أحوال هذا الرجل، وإلى حل رموزه وألغازه.


الكاتب : عبد الرحمن الملحوني

  

بتاريخ : 29/04/2022