كتب لها وقع : «مورسكيو الهورناتشوس» لـ فرمين مايورغا (2/1)

ليس هذا الكتاب (الصحوة: النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية) مجرد سيرة ذاتية ساحرة لشخص مثير للجدل جداً، بل هو كتاب يتجرأ على مواجهة أكثر القضايا تحدياً في العصر الحديث بأمانة فائقة.
ليس كتاب ديفيد ديوك (الصحوة) لضعاف القلوب، أو لأولئك المعتدّين بنظم معتقداتهم، بل لأولئك الذين لا يخشون من أن تحفزهم الحقائق والأفكار التي ربما تضع المعتقدات الراسخة موضع تساؤل. إنه كتاب ثوري تطوري ربما (يهز الحضارة من الأعماق) كما يقول غليد ويتني (Glade Whitney) العالم البارز في علم الوراثة السلوكي. يكرس ديفيد ديوك معظم كتابه لوجهة نظره في الأعراق وتضميناتها المجتمعية والتطورية، ولكنه حكاية مثيرة لرجل عرف بوصفه صورة كاريكاتورية رسمتها له وسائل الإعلام المعادية.

 

عرفت السنوات القليلة الماضية اهتمامًا متزايدًا بالمورسكيين، وهم المدجنون، وهو تعبير عن المسلمين الذين عاشوا تحت الحكم المسيحي، في إسبانيا، على اختلاف درجة صرامته، والذين أجبروا على التنصر في الفترة ما بين 1499 و1526، إلى أن اتخذ الملك فيليب الثالث قرارا بالطرد النهائي للموريسكيين في عام 1609.
في هذا الإطار صدرعن دار صفحات للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق ـ دبي، كتاب «مورسكيو الهورناتشوس: المصلوبون وعلى رؤوسهم تيجان الشوك» (ط1، 2020)، للمؤرخ الإسباني، فرمين مايورغا (Fermin Mayorga)، نقله إلى العربية عن النص الإسباني، وقدم له، محمد عبد المومن. واسم الكتاب الأصلي، هو، Los Moriscos de Hornchos, Crucificados y coronados de Espinas .
يقع الكتاب في 288 صفحة من الحجم المتوسط، ويتألف من مقدمة المترجم، ومقدمة المؤلف، وثمانية فصول.
يركز مايورغا في هذا الكتاب، «على أهم مجموعة مورسكية تواجدت في إشترامادورا، في بلدة هورناتشوس تحديداً خلال القرون: السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، سنعرِّف بالتحولات التي طرأت عليهم ومشاكل تعايشهم مع المسيحيين القدماء من سكان المنطقة، والذين كانوا يشكلون أقلية، حيث أن عدد سكان هورناتشوس في القرون التي تهمنا، بلغ حوالي ألفي نسمة، منهم خمس أو ست عائلات مسيحية تصنف ضمن المسيحيين القدماء، في حين كان الباقون من المسلمين. سنتعمق في التاريخ، حسب ما تجود به الوثائق، لنتعرف على حياة سكان هذه البلدة الإشترامادورية» (ص 15 ـ 16).
تأتى أهمية هذا الكتاب في نظر المُترجم، «لكونه يركز على محكمة إليرينة التي عدّها المؤلف أشرس محاكم التفتيش في التاريخ الإسباني، حيث أدانت ما يزيد عن 4000 شخص، وهذا رقم يجعلها تتفوق على أية محكمة أخرى، كما أنه يؤرخ لفترة مهمة جدًا، ولكنها لم تدرس جيدًا، من تاريخ جماعة مورسكية ذاع صيتها، وحظيت ببعض الاهتمام، وأقصد المورسكيين الهورناشيين، الذين شكلوا حالة منفردة من عدة نواح، منها تأسيسهم لجمهورية أندلسية مستقلة عند مصب أبي رقراق. وقد تمكنت تلك الدويلة من الاستمرار عدة عقود، وتخصصت فيما يعرف بالجهاد البحري، الذي يعتبره المؤرخون الأوروبيون قرصنة» (ص 9).

فترة ما قبل الطرد

يناقش مايورغا في الفصول الأربعة الأولى، (الفصل الأول: هورناتشوس، الصراع المسيحي ـ المورسكي؛ الفصل الثاني: على خطى المورسكيين الهورناشيين؛ الفصل الثالث: العادات الإسلامية لمورسكيي هورناتشوس؛ الفصل الرابع: الهراطقة الهورناشيون). فترة ما قبل الطرد. فقد «خلف تقدم حركة الاسترداد المسيحي في المناطق الإشترامادورية تحول ساكنة مسلمة كثيرة العدد إلى مدجنين، وقد عاش هؤلاء بسلام مقابل أداء ضريبة خاصة، حيث سمح لهم بحرية ممارسة عبادتهم وعاداتهم وتقاليدهم. ولكن كان من الواجب عليهم الرضوخ للقوانين التي أقرها الملوك المتعاقبون لمراقبة هذه الجماعة» (ص 17).
ويعدد المؤلف القوانين التي كانت تتعلق بالمسلمين. وبحسب المؤلف، أدى توقيع الاستسلام مع الملك أبي عبد الله ابن الأحمر، والتي بمقتضاها استسلمت غرناطة، إلى «تحول سكانها إلى مدجنين» (ص 22).
يستحضر المؤلف مجموعة من الوثائق، التي تخير المدجنين بين التنصر، أو النفي، أو الموت، وانتشار حالة الرعب بين المدجنين.
انخرط المورسكيون القادمون من هورناتشوس وإليرينة ومن سائر أنحاء الأندلس في القرصنة، وكانت مراكبهم تثير الهلع في نفوس البحارة الإسبان والأوربيين الذين يعبرون مضيق جبل طارق، وفي الوقت الذين كانوا يريدون أن يحققوا استقلالهم ويقيموا دولة في القصبة. لقد كانوا يهاجمون كل من يجرؤ على المرور بالقرب من السواحل المغربية.
يرى المؤلف، أنه «منذ لحظة إعلان التنصير القسري، أصبح مورسكيو هورناتشوس تحت مراقبة وسلطة قضائية لديوان التفتيش المقدس، وإذا كانت وضعيتهم القانونية السابقة كمدجنين تحميهم من المتابعة القضائية بتهم دينية، باستثناء بعض الحالات الخاصة كالقيام بالدعوة الإسلام، فإنهم صاروا ابتداء من تلك اللحظة متهمين بالهرطقة والإلحاد بشكل أبدي، لقد صارت محكمة إليرينة وديوان التفتيش المقدس عدوهما الأكبر» (ص 51). يشير المؤلف إلى أنه وجد في «الوثائق عبارات من قبيل التشتيت، التطهير» (ص 90).
يحدثنا مايورغا عن التهم التي كانت توجهها محاكم التفتيش للهورناشيين، وهي ممارسة مجموعة من الشعائر الإسلامية، كالوضوء والصلاة والصيام. وكانت عقوبات هذه التهم، هي، «التعذيب والجلد والانتقام الجماعي ومصادرة الأملاك والحرق والطرد» (ص 106). وبحسب المؤلف، كانت تعيش بلدة هورناتشوس، نموذجا «للتطرف والتعصب الديني الأكثر بشاعة في كل التاريخ البشري، حيث كانت العقوبة هي الحرق والسرقة باسم الرب» (ص 108).
تشير وثائق محاكم التفتيش، التي أوردها المؤلف، إلى «أن كثيراً ممن توبعوا من طرف هذه المحاكم تلقوا التعاليم الإسلامية من طرف نساء من العائلة، كما نجد فيها أيضاً أن كثيراً من النساء اتهمن بكونهن (مُلَقِنَات للعقيدة)، كما أن بين أيدينا الكثير من الشهادات التي تؤكد على دور النساء في الحفاظ على التعاليم الدينية والعادات الموروثة» (ص 108). و»بذلك حافظوا على استمرار شعلة الإسلام متقدة» (ص 140). فـ «السبب الرئيس لاستمرار الوحدة الدينية والثقافية للجماعة الهورناشية، هم الفقهاء الهورناشيين الذين كانوا علماء حقيقيين تمتعوا بسلطة معنوية حقيقية» (ص 141). فلم «تفلح سجون إليرينة السرية، ولا عمليات التعذيب، ولا حتى احتمال التعرض للحرق في جعل المورسكيين الإشترامادوريين يتخلون عن عقيدتهم» (ص 144).

 


الكاتب : أحمد الدَبَشْ

  

بتاريخ : 13/07/2020