صيدلية الأفكار 6- إننا تاركون السماء للملائكة و العصافير

الصيدلية أو الفارماكون ، بلغة الإغريق ، ابتكار عجيب لمعالجة السم بالسم (الترياق) .السم قاتل و شاف في الآن نفسه .و بما إنه الأساس الوجودي لكل صيدلية ، تكون الصيدلية بحكم أسها ذاك مفارقة . مفارقة يكثفها شعارها أو طوطمها . الثعبان القاتل بسمه الشافي طوطم الصيدليات و الصيادلة .إنه الرمز و المفارقة المركبة للتضاد الملغز ، و العارضة للعبة المظهر و الحقيقة ، و المجسدة لاقتصاد المعنى المرسل .
صيدليتنا الرمضانية سنعرض فيها أفكار ملغومة بكل مواصفات المفارقة . أفكار صغيرة ، لكنها غائرة في المعيش الثقافي و اليومي « للمغاربة « . أفكار قاتلة بسمها لكنها في الآن ذاته ترياق جماعي لتدبير أمن و سلامة العيش في اليومي .

 

بهته الجملة ختم س.فرويد كتابه الصغير الحجم الذي منحه عنوان “ مستقبل وهم “. كتاب عالج فيه المسألة الدينية ، و عرض ضمنه أطروحاته حولها . لا ينعت فرويد الديانة بالخطأ أو الزيف و لكن يستعمل مفهوم الوهم .الديانة وهم .و بما أن استراتيجية التحليل النفسي العلمية هي الكشف عن أوهام النفس الإنسانية فإن إلتقاءه في طريق تحليله للظواهر الإنسانية بالمعتقد الديني لا مفر منه . يعتبر س. فرويد الأفكار الدينية أوهاما ،أي ، تحقيقا للرغبات الإنسانية الأكثر عتاقة ، و قوة و ضغطا. سر قوة هته الأفكار كامن في قوة هاته الرغبات . في هذا السياق يميز فرويد الوهم عن الخطأ قائلا بأن ما يميز الوهم هو كونه مشتقا من الرغبات الإنسانية. إنه قريب من فكرة الهذيان ، لكنه مميز عنها. الهذيان يوجد على طرف النقيض من الواقع ، في حين أن الوهم ليس خاطئا بالضرورة ،أو غير قابل للتحقيق ، أو متناقض مع الواقع
خاصيات الوهم هته هي ما يميز المقاربة الفرويدية للدين عن الماركسية ، و يجعل الدين كما يسجل ذلك بول ريكور و هو يحاور فرويد ينبع من سيمياء الرغبة و ليس المعرفة أو الوعي ، و من ثم تكون مهمته إشباع و ملئ و شحن رغبة لا واعية . . في صلب مهمة الدين هته تكمن كل نقاط ضعف و قوة الدين ( قوة التخدير و التبريد و شد الوعي إلى الخلف ) و كذا سر قوة الدين في تحقيق نجاحاته و دوامه ( قوة التجييش و الجذب و الإستقطاب و التهييج). تمفصل قوة الدين و ضعفه هو المنطقة التي كشف عنها فرويد بكل دقة و عمق و ربما لذلك يكون أقرب العلماء لتفسير ما يحدثة المعتقد الديني الآن في حياة الأفراد و المجتمعات الحالية .تكمن قوة الدين حسب سيغموند فرويد في كونه يشبع الفضول ، هذا الذي نعته باسكال بمرض الإنسان الرئيسي،عبر منح صورة واضحة عن الخلق و أصل الكون و منتهاه .ويمنح رغبة الحماية إشباعها عبر عرض الحماية الالاهية بوصفها حماية ضد جبروت الطبيعة و جبروت كل قوى المجتمع الظالمة . مثلما يعرض قوة الدعم في المحن عبر التسامي و يكون الأمر في هذا المستوى منتجا للفن و ما شابهه ، لكن أيضا بواسطة التماهي مع الآباء الرمزيين من أبطال السير المقدسة والبطولات التاريخية و الخوارقية . و يشرط كل هته العروض الاستيهامية بقواعد سلوكية و أخلاقية صارمة تضبطها آليات التحليل و التحريم .كل ذلك مقابل منح العرض النهائي للسعادة الأخروية و الأبدية .
أطروحة قابلة للمناقشة و التشكيك و النقد ، مثلها في ذلك مثل جميع الأطاريح العلمية ، لكنها تفتح على نقطة و منطقة تراض عريضة و عميقة عنوانها ، لنترك قضايا السماء للكائنات السماوية ، و لنجعل الأرض موطنا لقضايا الأرض ، وقضايا الاجتماع للمجتمع و قضايا الشأن العام للسياسة .. مع ثلاثينيات القرن الماضي تم منع تدريس المنطق و علم الكلام و علم الفلك و علوم دينية أخرى في جامعة القرويين ، و بعد الاستقلال حرمت الجامعات المغربية من تدريس العلوم الإجتماعية الأساسية ، و بعد إصرار و تعب نخبة من المفكرين على إنشاء معهد خاص بالسوسيولوجيا تدرس تحت يافطته العلوم الإجتماعية المتنوعة ، تم خنقه قسرا و محوه من الخريطة العلمية . و بعد إستعادة الجامعة و المعاهد العلمية المغربية لأنفاسها فتحت شعب العلوم الإجتماعية المتعددة مع منع غامض للأنثروبولوجيا و رفض واضح و معلن للتحليل النفسي .. قد يتفهم الباحث أمر إرجاء الأنثروبولوجيا بحجة موروثها الإستعماري ،لكن اقصاء التحليل النفسي لا يجد له المرء أي تبرير.
إبعاد التحليل النفسي و إلى جانبه الأنثروبولوجيا ، من بين العوامل التي جعلت دائرة مجادلة و نقد و تحليل المسألة الدينية تضيق ، و تتسع مقابلها دائرة الاعتقادات الوثنية. و دائرة التسامح تضيق لتتسع مقابلها دائرة التحريم . أمر فسح و يفسح المجال للأشخاص كي يشرعون باسم السماء لما يمكن تسميته بالمقدس الكلياني أو مقدس التحريم ،رغم أنهم ليسو من ساكنة السماء و ليسو لا بملائكة و لاعصافير .


الكاتب : نورالدين الزاهي

  

بتاريخ : 29/03/2023