الأولوية نفسها تعود مجددا..

1

 

الأولوية للإقلاع الاقتصادي مجددا،
الأولوية لإنقاذ مناصب الشغل
والمقاولات والتماسك الاجتماعي
وإنقاذ الإنتاج وقوى الإنتاج ومصادر الإنتاج، بالطريقة الاقتصادية التي عرفتها البشرية منذ بداية الثورات
أما العالم الذي نرسمه مع الأطفال
ومع الشعراء وكل الفلاسفة
فعليه أن ينتظر قليلا.
العالم الجديد الذي سيخرج من هذا القديم
سينتظر قيامة أخرى ربما لكي يتجدد الأمل فيه..
علينا أن نعيد تأويل كل آمالنا التي عقدناها على الفيروس ونتواضع للحقيقة:
الفيروس ليس حليفا لنا في أي حلم إنساني كبير…
ونتأكد من ذلك، لأن الحديث الذي سنصادفه سوف يرتبط بإعادة بناء العالم الذي تركناه خلفنا، بالرغم مما ندعيه من أولويات جديدة.
لا أولويات جديدة في ما يبدو اللهم إلا إذا انتظمت قوة حقيقية، قوات شعبية حقيقية، يمكن أن تعدل في البرنامج الجديد- القديم، على قاعدة اشتراكية إنسانية..
أسئلة كثيرة لم تطرح بالرغم أن الجائحة تفترضها ..
مثلا:
– هل طرحت مثلا قضية الضريبة على الثروة ؟
وهل طرحت قضية تقليص الإنفاق العمومي الفاره غير المبرر باستثناء ما يتعلق بتجميد نفقات الجماعات الترابية؟
-كلا..
وستعود القوانين التي طبعت العالم، وتلخيصها معروف لدى المناضلين كما لدى الباحثين الأكاديميين كما لدى مكاتب الدراسات الباردة، من قبيل موازين القوى…
بالرغم من هذه الهبة الإنسانية العظيمة، والاتفاق حول الأساسيات المعلنة، والشعور الجماعي بالانتماء إلى كتلة إنسانية واجتماعية ووطنية واحدة، فإن الموازين ستعود من جديد، اللهم إلا إذا تغيرت السياسة من خلال أساسيات موازين القوة.
لا أحد سيمكنه أن يخمن مثلا هل سيقوم الفيروس بإضعاف القوة المحافظة والثقافة المحافظة أو بالعكس سيزيد من قوتها ومن «هيمنيتها»العملية، بتحوير الوقائع لفائدة أطروحات القوى المحافظة؟
لا أحد..
ولنا أن نسأل، من باب المرافقة الحدسية:
من شعر بالغربة حقا في المجتمع المغربي، غربة مضاعفة بعد التي اقتسمها مع الجميع في بلاد جديدة تماما عن العادات واليومي والمعيش المتكرر،
هل هم المحافظون أم الحداثيون؟
مجرد سؤال…
********
يمكن أن نحتفي بالصحوة الهائلة للضمير الكوني،
باليقظة التي رفعت من درجة الإحساس بالصحة العامة للناس وبضرورة حمايتهم، غير أن الاقتصاد له قوانينه التي تشبه الجاذبية، والتي يصعب القفز عليها، كما كتب الخبير الاقتصادي الكبير دانييل كوهن، والذي استضافته مؤخرا لجنة النموذج التنموي …
********
للشاعر جواو كاربال دي ميلو نيتو،
البرازيلي الشهير بشعر الملموس قصيدة، صدرت في مجلة بيت الشعر، اسمها: «كي تتعلم من الحَجَر، عاشره»
لنحورها حتى تصبح:
كي تعلم من الحجْر،عاشره..».
وبالضبط، نعاشر الحجر ورفع الحجر..
تناوب صحي، بين الحجْر وبين رفعه.
لا بد من التعايش مع الفيروس بهذه الطريقة، قبل حل الأزمة الصحية نهائيا.
سيفرح الناس بالخروج من الحجر
لكن سيظل في أنفسهم شيء منه ومن «حتاه»، أي تلك الثقة في الحماية التي يقدمها لهم..
الثابت هو أن دور الدولة عاد بقوة وبالضمانة للعيش المشترك والاستفادة من منتوجات المجتمع .. دولة اجتماعية أو سلطوية مع ذلك ؟
********
والشعر في هذا؟
كلمات مجمدة، كلمات من جليد في الهواء،
ماراطون من الكلام، على حد قول رايمون آرون، يدوسه من كثرة المقالات، وهذه منها، والمحاضرات والندوات واللايفات والحوارات…
وفي الأخير، هل أعطيت لنا الكلمة لكي نخبئ فكرنا، على حد قول المسيح في الإنجيل؟

 

2

الناسخ والمنسوخ 2
أخلاق الحرية…

لقد قيل ما يكفي، عن الفشل في امتحان المسؤولية وأخلاقها، من طرف مسؤولين لم يلتزموا بالحد الأدنى من آداب التسيير المشترك.
ولعل هذه الملاحظات، بالرغم من طابعها الجريء في الغالب، لن تستقيم إذا هي لم تصاحب بالحديث عن أخلاق الحرية، بالمعنى الفيبيري للكلمة.
نقول، كان هناك فشل في أخلاق المسؤولية، ونتجاوز ذلك، إلى ما هو صنوها وتوأمها، أخلاق الحرية…
وأمامي، هنا، من باب الاستئناس فقط، مقالة لخبراء وعلماء الأوبئة الفرنسيين، نشرتها لوموند، وخلقت نقاشا مفاهيميا ومعمليا، أعقب ما قررته الدولة الفرنسية حول عملية التتبع الإلكتروني للمصابين ومحيطهم (traçage)، وقد ذهبوا بعيدا في تحميل مسؤولية مهمة إنقاذ البلاد والمواطنين من الجائحة.
كتبوا في المقال /العريضة يطالبون «باستبدال كلمة حريةفي شعارنا الفرنسي، مؤقتا، بكلمة مسؤولية لكل واحد منا»…
بمعنى أن شعار الثورة الفرنسية:
حرية، مساواة، إخاء
يتحول موقتا إلى مسؤولية، مساواة، إخاء…
وبدليل هذه الصرخة تستطيع المسؤولية أن تكون في مستوى ضرورة وحيوية الحرية… ويسقط من يعتبر بأن نقاشنا عن الحرية محاولة هروب وتتفيه للقضية الأصل، الحرية.
من حسن الحظ، أن النقاش العمومي لم يغرق طويلا أو عميقا في أشكال التقليص من الحريات أو الدخول في نقاش، بالرغم من كل ضروراته المفهومة، في تمحيص القرارات المتعلقة بالحجر والطوارئ، على الحريات الفردية والجماعية والاعتبارات الدستورية في هذا الجانب… إلخ.
وقد رأينا كيف أن الموضوع، الذي استأثر بالانتباه، في مرحلة من المراحل، هو سلوك بعض عناصر القوات العمومية في التعامل مع المواطنين في ما يتعلق بتطبيق الحجر، وكيف سارعت الجهات المختصة، منها المديرية العامة للأمن الوطني أو الداخلية، إلى فتح تحقيق أو الدعوة إلى تأديب من تجاوز مهمة المراقبة إلى العقاب.
ومن حسن الحظ أيضا أننا، كصحافيين، كنا شهودا على حالتين اثنتين، تعلقتا بما اعتبرناه مصادرة لحق الصحفيين في التجوال وأداء مهامهم عند الإعلان الأول عن الحجر العام، مع بداية الشوط الأول، أو مع الإعلان الثاني عن حالة الطوارئ الأمنية في الشوط الثاني، ومن حسن الحظ أن السبيل المؤسساتي، وأدوار مؤسسات التمثيل النقابي، كالنقابة والمجلس الوطني عالجا الأمر مع الوزارة المعنية، أي الداخلية، وبسلاسة لم تجعلنا رهينة النقاش حول الحرية في التجول من أجل المهنة ومن أجل التعبير.
إن الوزارة الأكثر تشددا، تراجعت خطوة إلى الوراء، بل خطوتين، من أجل أن تقوم بعملها على أحسن وجه، وتقبل الصحافيون المعاندون كثيرا طريقتها في التدبر من بعد ..
وهنا، بالذات مثال مغربي عن ما يجب القيام به، ولنا مثال في وزارة الداخلية في تدبير هذا «الاستعصاء»، (ايييه السي، وزارة الداخلية ذات التاريخ الذي يعرفه الجميع،) ومرونتها اليوم مثال لا بد لنا من استحضاره..
من حسن حظنا أن الفضاء العمومي الوطني، لم يدخل في أتون هذا النقاش حول الحريات والحجر وتطبيقاته الزجرية… إلخ.
ويجب الإقرار أن نقاش الحرية، جاء بحدة أكبر، مع القانون المتعلق بالمنصات الاجتماعية وبالتوابع الرقمية التي تمس اليومي العام للمواطنين، أكثر من الإجراءات السابقة، والتي كانت أقل منها قلبت الوضع العام في فرنسا وألمانيا وانجلترا وغيرها من الدول التي تعاني مع الجائحة…
ولا بد من التمعن في سلوك الداخلية مع الصحافيين في قضية التقنين أو حتى المنع للتحركات، والتراجع، عن كل «ما من شأنه» أن يدفع إلى الاحتقان المهني والاجتماعي والسياسي في البلاد…
نحن في مواجهة الوضعية الصعبة والوطنية العالية، ونحتاج، أخلاق الحرية بالقدر نفسه الذي نحتاج فيه أخلاق المسؤولية.
الآن العنوان الثاني هو المهيمن.
وفي أكبر المعارك الوطنية، وعلى رأسها الوحدة الوطنية، كان الحليف الأكبر فيها للوطن هو .. الحرية.
روح التحرر هي التي تحصن المعارك الكبرى، لهذا لم يضحِّ الاتحاد أبدا بأخلاق الحرية، في تمسكه بالأخلاق الوطنية الرفيعة..
وهذا الدرس الدائم للمدرسة…
لقد أدى الاتحاد من وحدته، ومن جسمه ومن استمراره ثمنا كبيرا، من أجل أن يظل الترابط بين المعارك الوطنية الكبرى والحرية، قائما، وأحيانا ألزمه ذلك تمزقات أليمة لا مجال لذكرها..
قد يقول قائل، إن «هذا قانون مطلوب، ولا بد من التسريع به»، وقد يكون رئيس الحكومة، وهو يتحدث إلى وزير من الوزراء، في حزبه أو من خارج حزبه، لكنه في النهاية مطلوب أن يفكر في مغاربة يعيشون في عصرهم، ولا يمكن أن يؤجلوا هذه الحياة إلى زمن……..مضى، إرضاء لاستعجال تشريعي، معين…
********
في البنود التي أثارت نهوضا قويا في كل الأوساط، بما فيها وفي مقدمتها الأوساط الاتحادية، توشيات لا ضرورة لها. وفتح جبهة، لا حاجة لها في الوضع الوطني الحالي.
البلاد، كل البلاد وقوى البلاد، تواجه معضلة بأبعاد كونية، ولا يمكن أن ننشغل بما انشغل به البيزنطيون ومحمد الفاتح على أسوار القسطنطينية: كم من ملاك يمكن أن يقف على إبرة؟
هذا إشكال بعيد عن سقف اللحظة وعن اللحظات التي تليها..
لنطوي هذا الملف، وكل «ما من شأنه»، دفعنا إلى معارك فرعية، ونحن في عز معركة من أصعب المعارك، كما أنها تنتظرنا محطات لا علم لنا بدرجة الزلازل فيها ..
حتى رايشتر غير مستعد للتفكير في سُلَّمها!.
********
المنصات التي تعنينا حقا، ويهمنا تنميتها هي تلك التي تشكل جزءا من الذكاء البشري في استباق العالم القادم، وعليه فلا نحبذ، بعيدا من المرحلة وقريبا منها، محاولة إغلاقه.
أن ذلك يحيلنا إلى الوعي الشقي للبطل الإشكالي – في نظرية لوسيان غودلمان-: ذلك البطل الذي يريد وقف الزمان لأنه لم يعد يسايره….
العالم الحر ليس فيه قوانين بعد لهذا التقدم…
إن ما يشغل الدولة وعقلها الأمني المجتمعي، في تقدير العبد الفقير إلى رحمة ربه، هو الإرهاب والأخبار المضللة/الفيكنيوز، والمس برموز الوطن وقيمه،لا أن نؤسس، شعوريا أو لا شعوريا، لـ«رأسمالية المراقبة» capitalisme de surveillance في صورها الأكثر مباشرة، أي مراقبة المنصات الاجتماعية لحماية رأسمال خاص..؟
وتكون من نتيجته أو من أسسه، لا فرق، اتساع منطق دائرة المصالح الاقتصادية المحضة، وتحولها إلى قاعدة لنظام اجتماعي بمحتواه الأخلاقي، عبر منع الحرية والتعليق والموقف…
من يا ترى يفكر في منع الناس من الدعوة إلى المقاطعة؟
مثل هذا السؤال يجيب عنه المفتش شرلوك هولمز: الذي له مصلحة في ذلك؟
ومن له مصلحة في الدعوة إلى المقاطعة؟
الطبقة العاملة؟
القوات الشعبية؟
الدولة المغربية؟
إنهم عموم الذين يتضررون من ممارسة ما في الرأسمال، وطنيا كان أو أجنبيا…
ومن له مصلحة في تجريم المقاطعين؟
دانون
سيدي علي
سيدي احرازم
وغدا مونادا «لاسيكون»، بعد أن يصبح بلارج فقيها مفوها في البرلمان..
هناك قسط غير يسير من التراجيديا في هذه الملهاة..مع ذلك:
إنها تراجيديا أن تشعر البلاد بأنها لا تستحق هدنة في صفوفها الخلفية وهي تعطي صدرها لمعركة قاسية، تنبئ بالمزيد من الجبهات في القريب العاجل، مباشرة بعد أن نضع الكمامات جانبا ويكون علينا أن نبحث عن لقمة خبز من جديد ولقمة عيش..

 

على سبيل الختم 

هذه الهبة الكبيرة، في أوساط التعبير وفي الأوساط الحقوقية:
النقابة الوطنية للصحافة، المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، قطاع المحامين الاتحاديين، دليل عافية
ودليل حياة
ودليل مناعة..
وهذه الموجة في أوساط المراقبين الملتزمين
‏ les observateurs engagésفي المنصات الاجتماعية وفي أقطار الفايسبوك الشقيقة،
في ضواحي العولمة وفي حارات الواتساب.. كلها صحية، وتعني أن الناس لن يفرطوا في حرياتهم حتى وهم يواجهون العدو بصدر ضيق التنفس والانحباس الحراري..
وعندما نقول بأننا نحاكم النص انطلاقا من مرجعياتنا، فتلك لغة معناها واحد لا غير: إننا نرفض كل ما فيه مناهضا لمرجعياتنا.. وإن التعاقد الذي يجمع الاتحاديين، موضوعيا مع أنفسهم ومع الشعب المغربي ومع كل الشركاء السياسيين، هو هذه المرجعية التي تحولت عقدا وطنيا يعتنق الجميع أدبياته ومفاهيمه..
ومن المشرف جدا هذا الالتفاف على هوية الاتحاد النضالية الرافضة لتعطيل الحرية.. في منصات هي جزء من الهواء الذي يتنفسه العالم، بل هي أحد وجود العالم ووجوهه..


الكاتب : n عبد الحميد جماهري

  

بتاريخ : 01/05/2020