الفيلسوف النمساوي هانس كوكلر لـ«الملحق الثقافي»: الغرب يتبنى منذ أكثر من نصف قرن، معايير مزدوجة بشأن فلسطين

إسرائيل لن تتمكن من مواصلة الحرب طويلا بدون الدعم الأمريكي

 

الفيلسوف النمساوي هانس كوكلر، الذي لم يعد من الضروري تقديمه لقراء جريدة «الاتحاد الاشتراكي» لأنه حاضر في الساحة الثقافية والفلسفية المغرية منذ عقود بحضوره الفيزيقي للمغرب في إطار ندوات ومحاضرات، وترجمة كتبه للعربية وإعطائه حوارات عميقة لقضايا راهنة، على اعتباره متخصصا في فلسفة القانون والسياسة، «مدغمرة» بتحليل فينومينولوجي عميق.
كوكلر معروف بالتزامه ودفاعه عن القضايا العربية والإسلامية بصفة عامة، وبالخصوص بالقضية الفلسطينية، ليس لأسباب أيديولوجية، بل في المقام الأول لأنه متشبع بمبادئ الفلسفة الإنسانية، التي لا تقف على عتبة التنوير والحداثة الغربيين، بل تتعداهما لتشمل الإرث الإنساني في هذا الإطار.
خصص هذا الحوار الشيق لجريدة» الإتحاد الاشتراكي»، على هامش اجتماع عقدته اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 32/40. وقدم كوكلر، ككل سنة، عرضا مهما، بمقر مكتب الأمم المتحدة بفيينا، بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي يوافق الخامس من شهر دجنبر من كل سنة.

 

p تتابعون عن كثب، البروفيسور كوكلر، ما يدور منذ بداية أكتوبر 2023 في فلسطين. لماذا يقدم الإعلام الغربي الرسمي، عنوة، هذا التاريخ كبداية للمشكل الفلسطيني الإسرائيلي؟

n بغض النظر عن السطحية التي تتميز بها وسائل الإعلام في المجتمع الاستهلاكي الحديث، والتي تدفع الناس إلى التركيز على اللحظة فقط، والتهرب من أي تحليل أعمق، هناك عدم استقلالية وسائل الإعلام هذه واندماجها في بنية السلطة في الغرب، مع الدول „الحليفة“ لإسرائيل، التي تتجاهل إلى حد كبير أسباب المشكلة، التي لا تعود إلى عام 1948 فحسب، بل إلى نهاية الحرب العالمية الأولى. ويضاف إلى هذا النفوذ القوي التقليدي للوبي الإسرائيلي في أوروبا.

p كيف تفسرون الموقف الألماني بالخصوص الداعم دون قيود أو شروط لسياسة الإبادة الجماعية الإسرائيلية الأخيرة للفلسطينيين؟

n إن التاريخ الألماني بين عامي 1933 و 1945 حاسم هنا. تخشى الحكومة الألمانية من الاتهامات بمعاداة السامية. وعلى الرغم من ذلك، إذا كان المرء يريد حقاً محاربة الفاشية والعنصرية، فمن غير المنطقي إلى حد كبير أن يعلن أن أمن دولة أخرى – كما فعلت المستشارة ميركل – „كسبب من أسباب الدولة Staatsräson“. والأمر الحاسم دائمًا هو ما إذا كانت الحكومة المعنية بالأمر تحترم حقوق الإنسان. إذا قامت حكومة ما، كما هو الحال مع الائتلاف الحالي في إسرائيل، بإنكار حق تقرير المصير لشعب آخر بشكل أساسي، وشنت حربًا شاملة ضد هذا الشعب، فإن هذا لا يمكن ولا يجب أن يكون سببًا للدولة، لدولة مثل ألمانيا، التي يجب أن تلتزم بالقيم الأوروبية، ودعم هذا البلد دون قيد أو شرط، مهما كان ما يفعله.

p أمريكا أعطت إسرائيل البطاقة البيضاء لتصفية الفلسطينيين في غزة، ولربما في كل فلسطين. هل يقود هذا إلى تصفية القضية الفلسطينية بالكامل؟

n بما أن اللوبي الإسرائيلي هو إلى حد بعيد أقوى مجموعة مصالح في الولايات المتحدة، والذي، بالإضافة إلى تأثيره الاقتصادي في تمويل الحملات الانتخابية، يؤثر أيضًا على الرأي العام من خلال وسائل الإعلام وصناعة السينما، فقد دعمت حكومة الولايات المتحدة على مدى عقود عديدة إسرائيل لتمضي في طريقها في سياسة الاحتلال والضم، وعرقلة كل قرارات مجلس الأمن التي كان من شأنها أن تضع حدا لها. ولم يكن الأمر دائما هكذا. في أزمة قناة السويس عام 1956، وضع الرئيس أيزنهاور إسرائيل – وحلفاء إسرائيل في الصراع، فرنسا وبريطانيا العظمى – حدا لهم. إلا أن أمريكا تواجه الآن عواقب حرب إبادة شاملة ضد فلسطين، والتي ربما لم تكن تتوقعها، والتي قد تعني أن أمريكا تفقد نفوذها المهيمن في منطقة الشرق الأوسط، ذات الأهمية الاقتصادية بالنسبة لأمريكا. ومن هنا تزايد عدد التحذيرات التي يعبر عنها كبار السياسيين – من الرئيس إلى المواطن البسيط – لاحترام القانون الإنساني الدولي وحماية السكان المدنيين، والالتزام بحل الدولتين مع دولة فلسطينية قادرة على الحياة، والتصريحات التي تفيد بأنه لن يتم قبول أي وجود عسكري إسرائيلي دائم في غزة، أو ما يسمى «المنطقة الأمنية»، وبالتأكيد عدم ترحيل السكان. ورغم أن بعض هذه التصريحات ربما صدرت في المقام الأول بهدف طمأنة الرأي العام الدولي والمحلي، إلا أنه في ظل هذه الخلفية الجيواستراتيجية، يصعب تصور «تصفية» القضية الفلسطينية بشكل كامل. والأمر المثير للاهتمام هنا بشكل خاص هو التحذير الذي وجهه وزير الدفاع الأمريكي إلى حكام إسرائيل قبل أيام في مداخلة له في «منتدى ريغان للدفاع الوطني» بأنه إذا لم يحافظ المرء على السكان المدنيين (أي إذا ارتكب جرائم حرب)، فإن «النصر التكتيكي» يمكن أن يتحول بسرعة إلى «هزيمة استراتيجية». ويجب على المرء أن يأخذ في الاعتبار أيضًا، أنه بدون الشحنات الضخمة من الأسلحة والذخائر من الولايات المتحدة، لن تتمكن إسرائيل من مواصلة الحرب لفترة طويلة من الزمن.

p يعترف الغرب لإسرائيل بحق الدفاع عن نفسها، ويحرم الفلسطينيون من ذلك. ألا يتجاوز هذا مبدأ الكيل بمكيالين؟

n وفقاً للقانون الدولي بشكل صارم، لا تزال إسرائيل قوة احتلال ليس فقط في الضفة الغربية ولكن أيضاً في غزة (منذ عام 1967). ولذلك فهي تتحمل المسؤولية عن رفاهية وأمن السكان في هذه المناطق وفقا لاتفاقية جنيف. وإذا شنت حرباً ضد السكان الخاضعين لسيطرتها، والذين يمارسون حقهم في مقاومة الاحتلال، فيجب عليها الالتزام بأحكام القانون الإنساني الدولي. وينطبق هذا على كلا الجانبين: وكما يجب على السكان الذين يعيشون تحت الاحتلال ألا يوجهوا مقاومتهم ضد حياة السكان المدنيين في دولة الاحتلال، فيجب على دولة الاحتلال أن تلتزم بالقانون الدولي في أفعالها ضد المقاومة، وأن تحافظ على حياة السكان المدنيين. لكن كان من الواضح منذ أكثر من نصف قرن أن الغرب يتبنى معايير مزدوجة في هذا الشأن في فلسطين. المشكلة الأساسية هنا هي أن الغرب يتجاهل أصل الصراع الفلسطيني ـ أو على وجه التحديد طرد الفلسطينيين من وطنهم أثناء تأسيس دولة إسرائيل ـ، ويتصرف وكأن الفلسطينيين يقاومون بلا سبب. وهذا ما يجعل رد الفعل الإسرائيلي يبدو وكأنه „دفاع عن النفس“، رغم أنه بالمعنى الدقيق للكلمة هو رد فعل على مقاومة التهجير والاحتلال، وهي مشروعة بموجب القانون الدولي. لذلك فإن المرء يخلط بين السبب والنتيجة هنا. لذا فإن ما تسمونه في سؤالكم „المعايير المزدوجة“، يصبح السخرية المطلقة لمبدأ القوة.

p موقف الحكومات العربية وشعوبها من الأزمة الفلسطينية الحالية متباين: الحكومات لم تتدخل من أجل حل الأزمة، في الوقت الذي تغلي فيه شوارع العواصم العربية ومدنها الكبرى بمظاهرات لنصرة الحق الفلسطيني في وعلى أرضه. كيف يمكن للمرء فهم هذا التباين بين الحكومات والشعوب؟

n باعتباري مواطناً أوروبياً، أود الامتناع عن إجراء تقييم „خارجي“. ما أراه هو أنه في مؤتمر القمة الأخير لمنظمة التعاون الإسلامي، اعتمدت الجامعة العربية التصريحات فقط، ولم تقرر أي إجراء على الإطلاق. وتلجأ الحكومات إلى „المجتمع الدولي“ (الأمم المتحدة)، رغم أنها تعلم جيداً أنها مشلولة بسبب الفيتو الغربي (الأمريكي). وبالإضافة إلى المجتمع الدولي الغامض، الذي لا يكلف مناشدته شيئاً، هناك „مجتمع عربي“ و“مجتمع إسلامي“ كبيران. من الممكن أن يتخذ هذان الطرفان إجراءات لحماية حقوق فلسطين. ويمكنهم التصرف كما فعل الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، منذ فترة طويلة عندما تكون مصالحه الحيوية على المحك. ومن الأمثلة على ذلك هناك إجراءات العقوبات الشاملة التي فُرضت على روسيا. يتعين على الزعماء العرب اليوم أن يجدوا في الملك فيصل، ملك المملكة العربية السعودية، قدوة يحتذى بها، والذي أظهر ما يعنيه الدعم الحاسم للقضية العربية في فلسطين، ودفع حياته ثمنا لذلك. وفي الوضع السياسي العالمي الحالي ـ منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء توازن القوى الثنائي القطبية ، أصبحت الدول العربية مهمشة إلى حد كبير، لأنها غير قادرة على الاتفاق على نهج مشترك بسبب المنافسات العديدة بينها. إنها تفتقر إلى الحيز المتاح للمناورة، الذي كانت تتمتع به زمان المنافسة على السلطة بين الشرق والغرب. فأولئك الذين سعوا إلى موضعة أنفسهم بشكل مستقل في سنوات الصحوة ما بعد الاستعمارية، وبعدها بوقت قصير (أي في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي)، تم إقصائهم، بعد نهاية توازن القوى العالمي، تحت شعار „تغيير النظام“ من طرف الولايات المتحدة الأمريكية. وما زالت الكوارث التي حلت بشعوب المنطقة دون عقاب حتى يومنا هذا. لم يتم تحميل أي شخص المسؤولية. وباعتباري شاهدا على العصر، وعلى التطورات التي شهدها العالم العربي منذ أوائل السبعينيات، فإنني أعرف/أعي ما أتحدث عنه. ومما يدل على ضعف الموقف العربي أنه رغم إرسال وفود إلى عواصم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إلا أنها لا تفعل شيئا بطريقة استباقية. وأتذكر الوفد العربي الذي قاده الملك المغربي الحسن الثاني ، واللقاء بالرئيس ريغان في البيت الأبيض في أكتوبر 1982، حيث دعا الملك بحضور الرئيس الأمريكي إلى „سلام مع عدالة وكرامة“ في فلسطين. وفي العقود الأربعة بعد ذلك، أصبحت هذه الرؤية النبيلة بعيدة المنال بشكل متزايد. وأُرسلت وفود كثيرة أخرى – مثل ما شاهدناه هذه الأيام – إلى عواصم العالم. لقد أصبحت „دبلوماسية الوفود“ هذه بمثابة طقوس العجز تقريباً. وحتى لو كانت إمكانات الصناعة العسكرية ضئيلة من الناحية الواقعية، فإن هناك فرص كافية للتأثير في مجالات الأعمال والإعلام (أي ما يسمى „القوة الناعمة“، كما يسميها الأمريكيون). أتذكر بوضوح المناقشات التي أجريتها في العالم العربي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، خاصة مع وزيري الإعلام العراقي آنذاك (طارق عزيز) وقطر (عيسى غانم الكواري، والذي كان أيضاً رئيساً للديوان الأميري). اقترحت أنذاك الاستثمار، ليس فقط في وسائل الإعلام العربية في أوروبا، بل في وسائل الإعلام الناطقة باللغة الإنجليزية، والتي يمكن أن تصل إلى جمهور عالمي. ويسرني أن قطر على الأقل تتصرف بطريقة هادفة، وأنشأت وسيلة، قناة الجزيرة الإنجليزية، التي تعطي القضية العربية صوتا، وخاصة في الصراع الحالي في فلسطين. وبدون تقارير الجزيرة، لكان الرأي العام على المستوى العالمي مختلفاً تماماً، أي أكثر انحيازاً لجانب واحد.
لقد كانت شعوب الدول العربية دائما داعمة بشكل عفوي لحقوق الشعب الفلسطيني الشقيق. وينشأ الاختلاف بين موقف الحكومات العربية ومواطنيها من التبعيات السياسية التي شرحتها سابقًا، والتي ربما يرتبط بعضها أيضًا ببنيات السلطة والولاءات من الحقبة الاستعمارية. وفي حين أن المواطنين كأفراد قادرون على تجنب هذه التأثيرات، إلا أن من هم في السلطة السياسية لا يزالون تحت رحمتها. ولا ينبغي لنا أيضاً أن نقلل من أهمية التأثيرات التي تخلفها الاستراتيجية الإمبراطورية القديمة المتمثلة في سياسة „فرق تسد!“.


الكاتب : حاوره: د. حميد لشهب (النمسا)

  

بتاريخ : 15/12/2023