أُنطولوجيا الجسد (22) : فلسفة الجسد 3/ 3

 

إنه نسيان يلغي الأنا …. فمن لم يعد يعرف ما كان يعرفه من قبل لا يعود هو هو. إنه انتهاء الأنا التي كانها قبل أن تهتك أعصاب دماغه الحاملة لتلك الأنا، ينسى أبويه … ينسى أولاده… وينسى بعض الأفعال ومعنى الكلمات، ليس هذا فقط فاثناء دراستي الطب كنت كطالب طب أعمل في إحدى أقسام الأمراض النفسية وكنت أطعم مرضى الزهايمر بالمعلقة كالأطفال … كانت إحداهن تنسى أن تمضغ وكان علي أن أذكرها بين الحين والحين … نسيت حتى إحدى اهم غرائزها وهي غريزة البقاء! فالغريزة إذن هي أنسجة جسمانية يصعب نكرانها أو محاربتها.
معرفتك أو عدم معرفتك لدينك، لابنك، لمحيطك هي مجموعة أنشطة كهربائية في جمجمتك .. هل تعمل أو لا تعمل هذه الأسلاك الكهربائية؟ هذا هو السؤال «وليس كما قال شكسبير تكون أو لا تكون هذا السؤال».
مأساة «ديوجين الكلبي»

مأساة «ديوجين الكلبي» وكل الديوجينات من بعده ذلك ديوجين الذي كان يستنمي في ساحات أثينا أمام الجميع ويؤكد أن ما يحتاجه الإنسان او ما يحتاجه الجسد يجب أن يحصل عليه مثل المأكل والمشرب ولا شك أنه حسب فلسفة سقراط فلا بد ان نفس ديوجين قد تلوثت بجسده ولن تجد هذه النفس بداً من أن تتعذب وكذلك فإن ديوجينات القرون اللاحقة ستعاقب لأنها أظهرت عورتها أمام الناس. أما ديوجينات اليوم فقد تبين في الدراسات العصبية أنها تعاني من تلف في خلايا الفص الأمامي للقشرة الرمادية المخية تسبب لامبالاة لصاحب هذا الدماغ ومنها لامبالاة الاستنماء في الأماكن العامة وبذلك تكون شبكة أعصابه هي المذنبة ولا أحد غيرها.
صنعت المادة الدوائية التي تعالج المادة التالفة ليعود ديوجين ويخضع للأنا الأعلى وليستنمي بسعادة في غرفة نومه هارباً من عذابات المجتمع وعذابات الآخرة.
المثال الأخير

بقي في مستشفى الأمراض العقلية عدة سنوات كان عنيفاً … كان ذلك في القرن التاسع عشر ….. كان يوصل إليه الأكل عبر القضبان … ربط بالقضبان …. ولما لم ينفع ذلك ربط من جديد على امتداد كتفيه بقضيب حديدي سميك جداً جعله لا يستطيع الدوران أثناء النوم إلى أي من جانبيه فنام أربعة عشر عاما ً على ظهره وكل ذلك بسبب الشيطان الذي يسكنه والأرواح الشريرة التي لم تفارقه طيلة هذه السنوات. تبين بعد مئات السنين أن الشيطان ما هو الا مادة الدوبامين الزائدة الهاجمة على نهايات اعصاب المخ لتهيج الوصلات العصبية والتي تتقاطع أكثر مما تتحمل الناقلات العصبية فتشوش الدماغ وتخرجه عن طوره فتنشأ الهلوسة والتنميل وسماع الأصوات غير الموجودة لتقي بعض الجرامات من المادة المضادة للدوبامين من الربط بالسلاسل الحديدية التي عذبت آلاف الناس على مدى قرون طويلة.
نفس المبدأ نراه في كتاب مجدي ممدوح في باب الفرويدية حيث احتجت امرأة على طبيبها الذي واصل لفترة طويلة جلسات فرويد التحليلية غير الناجحة، وحجب عنها دواء Antidepressant والتي كانت ستشفى منه بهذا الدواء بغضون اسابيع.
فالنظرة المجردة للمخ الوهمي، قد ولى زمانها وتبين أن الدماغ شبكة عصبية لمليارات الخلايا والعصبونات تتوزع على مراكز متخصصة وترتبط بواسطة مواد كيميائية وتوصل رسائلها بدوائر كهربائية.
أنها الثورة الدماغية التي انطلقت في النصف الثاني من القرن الماضي ليكون القرن الحالي هو قرن الجسد عامة والدماغ خاصة حتى أن المثقف الأوروبي الذي يريد استعراض ثقافته اليوم عليه أن لا ينسى أن يستخدم أسماء مراكز المخ بدلاً من «الهذا» و»الأنا» و»الأنا الأعلى» التي سادت في التشبيح الثقافي في أوائل القرن الماضي.
هذا يذكرني بقول توما الاكويني أن للإنسان على الجسد حق الانتفاع فقط. فماذا لو كان هذا الجسد الزهايمري غير صالح للاستعمال؟ فهل يحق له استبداله بجسد آخر يا ترى؟
محاولة العودة إلى ميتافيزيقيا الجسد

بعد تحطم الأسطورة الثنائية نتيجة الثورة العصبوية في المجتمعات المتقدمة يحاول الميتافيزيقيون في تلك المجتمعات الهروب من تلك الثنائية إلى ما يطلقون عليه الثلاثية الجديدة وهي تركيبة تتكون من الجسم الطبيعي للجسد بالإضافة للتداخلات الاصطناعية فيه وثالثاً النفس، وقد أطلقت «دونا هواري» على التزاوج بين الجسم الطبيعي والمواد المصنعة (الأطراف الصناعية، اللوالب، شبكات القلب …ألخ) اسم cyborg واعتبرت أن ثلاثية الجسد الجديد هو بمثابة إعادة كتابة النص الجديد للجسد والذي تحدث عنه «فوكو» والذي لم يرَ فيه الجسم إلا نصاً كتبته الثقافة، ثم انتقل آخرون من الثلاثية إلى الرباعية حيث أضافوا الفضاء الرقمي إلى النفس cyberspace وقد ترجمها بعض الكتاب العرب بـ «السبرائية»، فالسبرائية تكون روح رقمية جديدة ثم يلغى معها الجسد اعتباطاً كما يحصل بالـ chatting، فأنت لا ترى جسد الآخر ولا تسمعه ولا تلمسه ولا تتابع انطباعات وجهه، وبذلك وحسب رأيهم فإنك تتعامل مع روح بلا جسد.
وقد أنتجت عدة افلام أخذتنا إلى اللامعقول ففي رسوم متحركة أمريكية يقول البطل (كم أحب نسيان لحمي)، وفي أفلام «كروننبيرغ» حيث تسمع صوت قادم من خلف الصورة (أنا هنا يا ماكس لأقودك … لا تخف من ترك جسدك يموت)، وكذلك في بعض الروايات الجديدة مثل رواية «نيورومنسيان» وهي الرواية التي طرحت للبحث في كثير من الجامعات الأمريكية، يطرح «جيبسون» الفضاء الرقمي ليقول (لم يعد الجسم يحتل إي مكان).
كل هذه محاولات للقضاء على الجسد والهروب إلى الروح السبرائية وكلها غيبيات لن تدوم طويلاً.
أما الميتافيزيقيا الأخرى فليست ميتافيزيقيا النفس بل هي ميتافيزيقا عبر كمال الجسد.
يختلط نتائج التطور العلمي وإثباتات المصدر المادي للنفس مع أولئك الذين يغالون ليتحدثوا عن الجسد الكامل وبمنطق الجسد المعجزة. يعتبر هؤلاء بالمحصلة النهائية غيبيون ويتطلب منا لنقدهم دراسة جدية في الجسد وفسيولوجيته أي آداء وظائفه باتقان فالجسد وإن كان صانع النفس إلا أنه ليس بالضرورة كامل الإتقان.
إن الجسم مكون من عدة أعضاء ولكل عضو وظيفة محدودة إلا أنه قد يقوم العضو الواحد بوظيفتين في آن واحد وإليكم مثالاً لذلك.
على امتداد التاريخ والإنسان يحاول أن يلغي وظيفة الإنجاب في الأعضاء التناسلية في أوقات معينة واقتصارها لتمارس الوظيفة الأخرى وهي الجنس واستخدمت كثيراً من المواد لكل من الذكر والأنثى لهذا الهدف ولكن دون الوصول إلى نتائج حاسمة! وفي الستينات انتفضت الثورة العلمية الهرمونية واستطاعت صناعة حبوب منع الحمل أن تلغي في لحظة ما وظيفة الأعضاء التناسلية الإنجابية لتستمتع بالوظيفة الأخرى وهي الوظيفة الجنسية.
وأصبح لدينا جنس بلا حبل وبعد حوالي عشرين عاماً أنجزت الثورة المكملة لنفس العضو فأصبح بالإمكان استخدام نفس العضو بالإنجاب بدون ممارسة الجنس إنها طريقة أطفال الأنابيب.
فهل هذا التقدم الطبي بريء؟؟
أم أنه استخدام لـلـ»cyborg» لتنظيم فوضى وظائف الأعضاء الجسدية التي قد لا يكون الجسد بدونها قادراً على الحصول على شهادة الآيزو البشرية.


الكاتب : د. ماهر الصراف

  

بتاريخ : 04/08/2021