الدولة الوطنية والبعد الامبراطوري في ملكية محمد السادس -5- عندما تسكن الإمبراطورية المخيال الخاص بالدولة الوطنية..

كتاب «حياكة (خياطة) الزمن السياسي في المغرب: خيال الدولة في العصر النيوليبرالي..» للباحث والجامعي محمد الطوزي كتاب رفيع وتوثيقي وجد جريء في تقديم أطروحته العميقة حول الدولة المغربية. وهو عمل طويل النفس تطلب من الباحث والمفكر محمد الطوزي ورفيقته في العلم والتنقيب التاريخي بياتريس هيبو، ثلاثين سنة من العمل تخلله البحث الميداني والحوارات والقراءات في الوثائق والاحداث إلخ… ونزعم أن في الكتاب أطروحة متكاملة وبنيوية لتاريخ الدولة فيها عناصر لم يسبقه إليها أحد، حسب ما اطلعنا عليه من مقاربات بشكل متواضع طبعا وطبعا.

نعتبر بأن الإمبراطورية كفكرة (في هذا الكتاب تحيل الإمبراطورية (بالمعنى العام) على سجل للدولة وعلى صورة تم بناؤها لضرورات التحليل، أي تحيل على نموذج مثالي في حين أن الإمبراطورية بالمعنى الخاص تحيل على تجربة تاريخية ملموسة، وهي في الحالة هاته تجربة الإمبراطورية الشريفة أساسا…).. ما زالت حاضرة وتكتسي أهمية عملية أساسية في ممارسة الهيمنة: وعليه فإن هندسات الفعل كما برمجيات، وطرق التفكير كما في طرق العمل كما أدخلتها الإيديولوجيا النيو ليبرالية، تجد في الريبرتوار (السجل والدليل) الإمبراطوري، وغالبا كما يكون شكل أكثر من ريبيرتوار الدولة الوطنية، حوامل ومركزات تطبيعها.. وسنُبيِّن في الصفحات التي ستلي كيف أن الحضور الإمبراطوري يتجسد بطريقة أكثر تباينا بطبيعة الحال، حسب الظروف والمراحل والفاعلين والرهانات..

المخيال، ما وراء الثقافة والتقليد ..

إن أطروحة راهنية البعد الإمبراطوري لا علاقة لها بتوظيفه السياسي الذي يمكن أن يحدث، فالإمبراطورية ليست هي الزخرفة العتيقة ” لديكور المامونية” والحاضرة بشكل مهيمن في مشهد كما في خطابات السلطات المغربية. ولا هي كذلك التقليدانية وقد وضعت في مقام الإيديولوجيا، فالإمبراطورية بالنسبة لنا تنتمي إلى مخيال الدول، ومفهوم المخيال (المخيلة) مركزي في تحليلنا، فهو يسمح لنا بأن نعانق، بنظرة واحدة نفسها، مختلف الجوانب المتنافرة في المجتمع من اللغة ووضعيات الجسد إلى العواطف، ومن استراتيجيات التملك والتأويل إلى أساليب المهارة في العمل والوجود اليومي، ومن أنماط التملك واستراتيجيات إعادة الابتكار إلى أجهزة السلطة وتكنولوجياتها، ومن المفاهيم والفئات إلى أنماط محاولة فهم الزمن والفضاء والعلاقات الاجتماعية، فلا يمكن إدراك الحاضر خارج المخيال (أو ما يسميه المؤرخ والجامعي الفرنسي الأستاذ الشرفي في الكوليج دوفرانس بول فاين بـ (المخيال التأسيسي)..
بمعني خارج فئويات وأطر تنظيم العالم الملموس ومبادئه، إذ طالما كانت هذه المنطقة الرمادية بين «الحقيقي والخاطئ، بين الواقعي واللاواقعي، هي ما يجعل المجتمع متماسكا». وعليه فإن المرجعية الإمبراطورية والمرجعية للدولة الوطنية لا يحملان نفس الدلالات ولا يسمحان بنفس التأويلات للواقع، وما يهمنا إبرازه هو الطيف الواسع للسجلات التي يمكن تعبئتها في نفس اللحظة، بهذا المعنى فنحن نستجيب لمقاربتين للمخيال: الأولى تراه هو «ما يؤطر لمفصل التجارب الفردية وتفاعل دلالاتها والقيم المتماشية معها» والأخرى التي تفهمه مثل «تفاعل» و«حوار مستمر»، بين «الإرث والإبداع» وبشكل أوسع بين مختلف التصورات، السلطة والحكم والمجتمع، وبهذا المعنى المخيال ليس هو لاشعور المجتمع بل هو كذلك شيء جد مادي وأكثر وعيا لدى الفاعلين، وهو مدرج في المعيش اليومي حتى ولو لم يكن من الممكن اختزال هذا البعد في التوظيف والتسخير.. وهذا الأخير موجود بطبيعة الحال لكنه لا يفسر لماذا ينخرط الناس فيه ويؤمنون به ويحيلون عليه كمرجع (انظر حديث عن الوظيفة المزدوجة للتوظيف والتسخير والانخراط عند مارك بلوك)….
وتعد هذه النقطة مركزية بالنسبة لنا وتندرج فيها أحد الأسباب التي تهيكل برهنتنا وتحليلنا… أي أهمية المعنى والدلالات…


الكاتب : عرض وترجمة عبد الحميد جماهري

  

بتاريخ : 28/03/2023