تشاكل فضاء الألفة السجني:السجن من العدائِيّة إلى الألفة في رواية «الساحة الشرفية» لعبد القادر الشاوي

يرمزالسجن في العُرف العادي، وفي النصوص الروائية عامة، وأدب السجون خاصة، لكل ما هو عدائي وسلبي حيثُ تُمارِس فيه السلطة أنقى درجات التعذيب قائلة: من حقي أن أعاقبك! ليأخذ بذلك صورة سوداوية تنسِف ذوات الشخوص النزيلة فيُصبح مكانا غير مرغوب فيه وغير قابل للسكنى، إذ تخضع فيه الشخوص الروائية لوطأة سلطة الغير من حيثُ أنه لا بُدَّ على الشخصية السجينة أن تعترف بهذه السلطة عليها، فهو يُصادرُ حريتها ويحِلُّ بها كل أشكال التّشيُّؤ والدنيويّة، بحيث تفقد تفرّدها وآدميتها وتدخل في حالة من اللاجدوى. وهكذا يُرادُ به في الاستعمال اللغوي السائد، المكان الذي تنعدم فيه الحرية، لكن السارد في «الساحة الشرفية» حاول أن يُعطيه، في بعض السياقات الحكائية، بُعداً مُغايرا ودلالة جديدة مُفارِقة تُخالفُ المُعتقد السّائد القائل بأن كل النصوص السِّجنية لا تخرجُ عن منحى واحدٍ هو تجسيدُها لعدائية السجن في نفوس الشخوص، بحيث ترفض كل أشكال الألفة المُحتملة.. إلا أن السارد في هذه الرواية، وبفضل البنية السردية التي وظفها لتقديم فضاء السجن الروائي، حاول الخروج عن هذا المنحى أحيانا لتتسق دلالة الفضاء السِّجني مع أنماط الشخوص السّجينة التي وظفها للقيام بالوظائف السردية، إذ أن مُعظم الشخوص المحورية (الرئيسة)، ضمن القسم الثاني من الرواية الذي يُمكننا تسميته بـ(محكي الشخوص)،هي شخوص مثقفة ومُناضلة لها انحياز كبير للحرية، والدفاع عن الكرامات وصونها من أجل عالم أقل عداوة وظلما، وأكثر عافية وعدلا.. وبقدر ما تزداد قبضة السلطة ضغطا وتحكما، تزداد الشخوص نِضالا ومُقاومَة، وهذا ما سعى السارد إلى إبرازه في بعض السياقات الحكائية من خلال تحويله لدلالة الفضاء السجني عن معناها التداولي المُعتاد لتمتلئ بدلالات جديدة، ويُصبح السجن بذلك موضوع ثلاثية مُفارِقة تجمع بين افتقاد الحرية وحرية اللقاء والاستزادة من العِلم والمعرفة..
وقد أدرج السارد في فضاء السجن مكانا مُهِمّا يُعبِّرُ عن حضور مشاعر الألفة ضمن فضائه بشكل جلِيّ، وهو مكانٌ مُخالف لأمكنة السجن العادية، لأنه سيشهدُ لقاء النزيل بالفضاء الإنساني الذي يتمثلُ في زواره وما يحملون معهم من أخبار عن العالم الخارجي، ولهذا سيأخذ هذا المكان حيزا للتعبير عن دلالة السجن المُنفتح – نسبيا – على العالم البرّاني، وقد أكسبه الساردُ دلالة بالغة لأنه أضفى عليه مشاعر الحب والعناق والاتصال وتبادل القُبلات والحوار.. فشكَّل المزار بذلك المكان المناسب لإقامة الاتصال بالعالم الخارجي مُمثَّلا في الإنسان الوافد عليه.لهذا ستكون لحظة الزيارة وما يترتَّبُ عنها من اتصال بالعالم الخارجي عاملاً مُحفِّزا للشخصية النزيلة على تحمُّل العذابات النفسية للنظام السجني ومُحاولة التزود بالمشاعر الإيجابية الإنسانية التي لا تستطيع من دونها، وبأي شكل من الأشكال، أن تتأقلم وتندمج في الفضاء السجني. ومنه، سيكون مكان المزار بمثابة عامل مرغوب فيه يُحَلحِلُ الرتابة السجنية الدائمة – ولو بصفة مؤقتة – لفضاء السجن. وقد قدَّم السارد المزار في الرواية كمكان للاحتفال بعيد ميلاد مصطفى الدرويش اتساقا مع دلالة المزار المتجسدة في كونه مكانا للألفة والاتصال بالعنصر الآدمي: «هناك زنزانة في الممر جاهزة لاستقبال مناسبة الحفل الخاص. جيئ بشراب الجين في قناني الماء المعدني حتى لا يكتشف أمرها الحراس في المزار. أوانٍ من البلاستيك الأبيض مصفوفة على حافة المصطبة الإسمنتية الباردة وقد حوت أنواعا من الفاكهة اليابسة. كَرَاسٍ تلاقت قوائمها المتداعية في قطر سوف لن يتسع إلا لعددنا المخصوص: إدريس العمراوي، أحمد الريفي، عبد العزيز صابر والجوقة التي سوف تصاحب العظمة في عيده الممجد.» [عبد القادر الشاوي، الساحة الشرفية، منشورات الفنك، الدار البيضاء، ط. 2، 2005،ص: 142].ويقول في موضع آخر مُستطردا: « غنَّت لنا في المزار، بطلب من مصطفى وإلحاحي الشديد: يا صباح الفل غَنِّ معانا، وكانت طوال وقت الزيارة تحت ذراع مصطفى لا يعرف كيف يجعلها تنامُ على صدره.. كان عبد العزيز صابر يكب الروج من فم البراد بحذر وانتباه، وربما كان يُخيَّلُ للحارس المنزوي في ركن من المزار أن الشاي بائت قد احمرّ من البرودة، واكتملت دائرة الجماعة حين جاء إدريس، بعد وقت، فقدم لفتحيّة وردة من مغروسات الحي، حتى إنه عندما انحنى عليها ليُقَبِّلها على خدِّها بطريقة فيها مسرح تلك الأيام صحنا جميعا: لا، لا، لمصطفى، القُبلة لمصطفى. وحين قبَّلَها صحنا جماعة: آعد، آعد…» [الرواية، ص: 148]. وقد حاول السارد هنا أن يجعل من المزار مكانا للامتلاء العاطفي الذي يبعث في نفس السجين شيئا من البهجة والسرور، ويشده إلى العالم الخارجي، لأن التواجدبالمزار يعقبه شعور بالألفة تنتاب النزيل وتكسّرالغمَّ الذي صاحبه لأنه سينقله إلى عالم الأحرار الذين منعته عنهم جدران وأسوار السجن.
وإجمالا يُمكن القول إن السارد سعى من خلال بنية المكان التي اختارها لتقديم فضاء الألفة في الرواية والدلالة المولّدة منها باعتبارهما عُنصرين مُتشاكلين، إلى تحويل فضاء السجن أحيانا إلى فضاء قابل للتأقلم والاندماج، ومَرَدُّ هذا القول إلى اختراق فضائه من قبل شخوص مُناضلة حاولت أن لا تستكين للخور والهوان الذي يبعثه فضاء السجن في نفوس السجناء العاديين. وإنّ تراكم مجموعة من الوحدات المعجمية من قبيل: «بدأت نتائج الهيكل المعاد بناؤه بعناية تظهر جليّة في حياتنا اليومية» ، «المنظمة داخل السجن استعادت عافيتها» ، «مناقشات مستفيضة في تلك الدورات التي كانت تضيق بها الساحة» ، «تكوين المناضلين الذين لم يكن تكوينهم قد تم على الوجه المطلوب» ، « قُبلَة مسموعة لعاشقين تلابدا في الركن» ، «كؤوس الشاي والقهقهات المُتناثرة» ، « التلاصق الذي كان يجعل الزائرين مشدودين إلى بعضهم البعض»، «كما أن أيام السجن لحظة مُنفلتة إلى حين» ، «احتفل مصطفى الدرويش بعيد ميلاده الخامس والثلاثين» ، «هناك زنزانة في الممر جاهزة لاستقبال مناسبة الحفل» ، «َغَنَّت لنا في المزار» ، « كانتْ طوال وقت الزيارة تحت ذراع مصطفى» ، «كان عبد العزيز صابر يكب الرّوج» ، «قدَّم لفَتْحِيَّة وردة من مغروسات الحي» ، «انحنى عليها ليقبِّلها على خَدِّها»، «حين قبَّلها صحنا جماعة: آعد، آعد».
هذا التراكم لهذه الوحدات المعجمية يُولّد مقوما سياقيا يعدّ قاسما مشتركا لمقولتين سياقيتين هما: وصف حالة السجن إثر استعادة المنظمة عافيتها، ووصف حالة الاتصال الحميم في المزار، وهي تولّد مقوما يعدّ قاسما مشتركا لكل هذه الوحدات المعجميةهو «ألفة فضاء السجن»، وكل هذه الوحدات المُتراكمة بشكل حشوي مُقنَّن يفرضه منطق الأحداث، تُحيلُ على آثار (معنى) يُمكنُ إجمالها بالقول: « السجن من العدائية إلى الألفة «.

*أستاذ مادة اللغة العربية بالتعليم الثانوي


الكاتب : عبد الصمد حمزة

  

بتاريخ : 01/12/2023