علاقات المغرب إسبانيا 6- بين الرسمي والشعبي

غياب المراكز الثقافية المغربية بمختلف ربوع اسبانيا

يستدعي البحث الوافي والمستفيض في مجريات العلاقات بين المغرب واسبانيا ماضيا حاضرا وآفاقا للمستقبل، بأن لا يقتصر الأمر على الشق الرسمي المرتبط بتدبير الملفات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والمالية وغيرها، بل علينا أن نولي بالغ الأهمية أيضا للشق الشعبي والنبش في تلك الصورة المتجدرة في المتخيل الشعبي القابعة عند كلا الطرفين المغربي والاسباني، على اعتبار أن الشعوب تظل دوما طرفا فاعلا وأساسيا تتأثر وتؤثر في العلاقات بين الدول.

العلاقة بين الشعبين المغربي والاسباني في أمس الحاجة لتجسير الفجوة التي تفصل بينهما. وتتطلب بذل جهود حثيثة ومضنية لفهم وكشف وكسر الحواجز النفسية والرؤى المتكلسة التي تشوش على العلاقات الإنسانية بين أهل العدوتين، وتقف حجر عثرة دون انسيابية الأفكار والمواقف والشعور بالتضامن والتآلف والودية. لقد بات الموقف يفرض نفسه اليوم قبل الغد، حتى لا ندع هواجس المآسي التاريخية والعقلية الاستعمارية وقدر الأفكار النمطية يهيمن على هذا المشهد الراكد، ف: « أفضل وسيلة للعناية بالمستقبل تكمن في العناية باللحظة الراهنة» كما يقول المفكر والراهب الفيتنامي البوذي الشـهـير « ثيت نات هان».
فمن هي القوى الحية لدى الطرفين القادرة على المبادرة لتفتيت الأفكار المترسبة وتبديد القوالب الجاهزة والأحكام المسبقة المتغلغلة في عقليات الرأي العام لهذا الطرف أو ذاك؟ حتى يتمكنا من مواكبة ما تشهده العلاقات الرسمية بين البلدين من تطورات تاريخية نحو مستقبل تضامني واعد يصب في مصلحة الجميع، ليندمج الكل حكومات وشعوب في مرحلة التعايش والتطور والتغيير والتقدم المطبوع بالتوافق والانسجام والاندماج. فاستقرار الشعب المغربي وازدهاره جزء من استقرار الشعب الاسباني ورفاهيته.
سأركز على الجانب المغربي، فمعظم الآراء والتحليلات تذهب إلى أن هناك تقصيرا مزمنا من جانب الفعاليات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بالمغرب في الاهتمام بالشأن الاسباني الحزبي والنقابي والجمعوي وباقي فعالياته المدنية، المؤثرة في مراكز القرار السياسي سواء عبر الانتخابات أو داخل مؤسسات الدولة أو عبر منافذ الدعاية الإعلامية الموجهة ضد المغرب. هناك أيضا غياب للمراكز الثقافية والمعاهد المغربية بمختلف ربوع اسبانيا، المنوط بها مهمة التعريف بثقافة وحضارة المغرب وقضاياه لمواكبة ما تشهده البلاد من متغيرات وتطورات. الحديث أيضا يدفع إلى البحث عن المناهج والصور إن وجدت، التي يعكسها الكتاب المدرسي عن المغرب بالمدارس الاسبانية الموجه للجيل الصاعد. وهذا ما يدفع إلى البحث عن منابع أخرى للخلل. فما خفي كان أعظم.
جانب آخر من جوانب العطب، يقر به عدد من الباحثين المغاربة يتمثل في ندرة الدراسات والمؤلفات المغربية عن إسبانيا، لكن في مقابل ذلك يلمسوا أن هناك اهتماما واسعا من قبل المفكرين والمثقفين الاسبان بالمغرب، في محاولات من جانبهم لتعميق معرفتهم بواقع الحال المغربي من مختلف جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبقضايا الهجرة والحريات وحقوق الإنسان وغيرها، فضلا عن الكتابات عن الصحراء زمن الاحتلال حتى من قبل العسكريين المتقاعدين. لذلك فالخزانة الإسبانية معززة برصيد وافر من الدراسات والكتابات عن الجار الجنوبي، المهيأة وفق تصوراتهم.
ولانتشال هذه العلاقة من الرمزيات المعقدة والابتعاد عن التأويلات الوهمية، لن يأتي بالاعتماد على التحركات الدبلوماسية والأنشطة الحكومية المهتمة بتعزيز العلاقات بين البلدين في مجالات شتى، ولا يتوقف على ندوات فكرية وموائد مستديرة مناسبتية هنا وهناك لمؤسسات مدنية ثقافية فكرية، وما تفرزه من بلاغات وتصريحات متفائلة مبشرة. وهنا يشير الكاتب والصحفي د.جمال المحافظ إلى أنه: « على الرغم من عشرات اللقاءات الإعلامية والفكرية، بالمغرب واسبانيا، فإنها لم تتمكن من معالجة الصورة النمطية التي تروجها وسائل الإعلام الاسبانية حول المغرب والمغاربة، وهو ما يتطلب إعادة النظر في طريقة وأسلوب تنظيم هذه التظاهرات وفي مضامينها».
بل الأمر مرتبط بالأساس وبإلحاح شديد بالعمل المتواصل والدءوب على المستوى الثقافي والاجتماعي والمدني والأكاديمي والجمعوي والتغلغل والتحرك المكثف للدبلوماسية الموازية، ممثلة في أعضاء البرلمان والمجالس الجماعية والأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني ( جمعية الصداقة المغربية الاسبانية، مؤسسة الثقافات الثلاث للبحر الأبيض المتوسط، مؤسسة ذاكرة الأندلسيين وغيرها) والإعلام والشخصيات المدنية والمفكرين والأساتذة الباحثين والجامعات والطلاب والنخب من أبناء الجالية المغربية المقيمة بإسبانيا.


الكاتب : محمـد بنـمـبارك / دبلوماسي سابق

  

بتاريخ : 29/03/2023