فنانون وجها لوجه مع الملك -17- الموسيقار عبد الواحد التطواني

أحمد البيضاوي يكسر آلة العود في حضرة الملك والكوكبي يصيح: «هرسلي عودي نعام أسيدي»

هناك أحداث كثيرة ومواقف متعددة ،وذكريات تراكمت على مر السنين، منها ما تآكل مع مرور الزمن، ومنها ما استوطن في المنطقة الضبابية من الذاكرة، لكن تبقى هناك ذكريات ومواقف وصور ،عصية على الاندثار والمحو ،لأنها بكا بساطة ،كان لها في حينه ،وقع في النفس البشرية، ليمتد هذا الوقع إلى القادم من الأيام من حياة الإنسان.
في هذه الرحلة، ننبش في ذاكرة كوكبة من الفنانين ،حيث منحتهم إبداعاتهم ، تذكرة الدخول إلى قلوب الناس بدون استئذان، وهي إبداعات فنية ، استحقت كل التقدير والاحترام والتنويه داخل المغرب وخارجه، كما استحق أصحابها الاحتفاء بهم ، ويجدوا أنفسهم وجها لوجه مع ملك البلاد.
هنا نستحضر، ونسترجع بعضا من ذكريات هؤلاء الفنانين المبدعين مع ملوك المغرب ، بعدما صنعوا أسماءهم بالجد والاجتهاد والعطاءات الثرية كما وكيفا، واستطاعوا فرضها في ساحة تعج بالنجوم .

الفنان القدير عبد الواحد التطواني يعتبر أول من غنى في أوبيريت في تاريخ الفن المغربي بعنوان ‘‘ بناة الوطن ‘‘، كتبها أحمد الطيب العلج وأخرجها فريد بنمبارك، وكانت من ألحان العربي الكوكبي ومحمد بن عبد السلام، ومن بطولة عبد الواحد التطواني وأحمد الطيب العلج ومحمد حسن الجندي وعزيز موهوب وبهيجة إدريس وإسماعيل أحمد ومحمد الإدريسي، وقدمت للتلفزيون سنة 1967.
اشتغل، كما تقول سيرته الفنية، إلى جانب الفنان الأسطورة سليم الهلالي، حيث شكلت هذه التجربة إضافة إلى مسيرته المليئة بالعطاءات، ويعد أحد الرواد المتميزين في الموسيقى المغربية، لذلك لقب بـ «كنار المغرب الأقصى» و»مطرب الملوك».
يتذكر الموسيقار عبدالواحد التطواني، كما سبق أن شرح بالتفصيل ذلك في حوار نشر عبر حلقات في جريدة الاتحاد الاشتراكي، وهو الحوار، الذي تطرق إلى سيرة عبدالواحد التطواني الفنان والإنسان، يقول إنه في الليلة التي سبقت المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدها القصر الملكي بالصخيرات، حضرت كوكبة من الفنانين الكبار يتقدمهم الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي كان رفقة زوجته، حيث غنى وعزف على آلة العود.
ويروي الموسيقار عبد الواحد التطواني تفاصيل هذه الليلة الفنية بامتياز، ويقول في هذا الصدد:
«أخذ الموسيقار أحمد البيضاوي آلة العود، وأمره جلالته بالاقتراب منه ومن الضيوف، لم يجلس الراحل أحمد البيضاوي، بل ظل واقفا، ووضع رجله على كرسي أعد لذلك حتى يتمكن من العزف بشكل مريح.
بعد التحقق من دوزنة العود مرة أخرى، أذكر جيدا النغم الذي بدأ في التقسيم عليه وهو نغم « رصد دو « في سلطنة عالية وتقسيم أكثر من رائع، في تقسيم تقني متنقلا بين الأنغام بسلاسة ودقة ورشاقة، ريشة كبيرة وكأنه يعزف فوق الحرير، ولعمري لم أسمع لا من قبل ولا من بعد مثل هذا التقسيم، جعل الجميع مبهورا بحرفيته ومعرفته الموسيقية الكبيرة خصوصا المشارقة، حيث بدا الفرق واضحا بالمقارنة مع عزف محمد عبد الوهاب».
حينما انتهى أحمد البيضاوي من العزف، يقول الموسيقار عبدالواحد التطواني، كان الجميع يصفق بحرارة من فرط الإعجاب ونشوة الطرب، لكن المفاجأة أن الراحل أحمد البيضاوي رفع العود عاليا وضربه على الأرض تحت ذهول الجميع وصاح:» ما باقي حد يسمع من هاد العود بعدما سمع منو سيدي «، تكسر العود أشلاء من شدة الارتطام، هنا صاح الراحل الكبير العربي الكوكبي « هرسلي عودي نعام أسيدي «، فأجابه الملك مبتسما: « غدا يجيوك زوج عيدان من سوريا «، ثم أمر الراحل أحمد الغرباوي بغناء أغنية «أول همسة»، وقدمها هذا الأخير بطريقة أكثر من رائعة جعلت الجميع يصفق بحرارة، إثر ذلك أمرني جلالته بغناء أغنية «علاش يا عيوني»، بعدها وبأمر من الملك قام رئيس الجوق الملكي بتقديم صنائع من الموسيقى الأندلسية « قائم ونصف الاستهلال»، وكانت حيرة الفنان المصري محمد عبد الوهاب عظيمة بخصوص الميزان الموسيقي لهذه الصنعة، فكان يستأذن في كل مرة من جلالته ليذهب بجانب عازف الرق الحاج سلام الفيلالي الذي كان أيضا عازفا بارعا على هذه الألة في الموسيقى الأندلسية، وكان يقوم بحركات معقدة ومركبة، مما يصعب على أي شرقي حساب هذا الوزن الموسيقي، لأنه حكر على المغاربة، وكان الملك يبتسم لحيرة محمد عبد الوهاب، ولما رجع إلى مكانه، شرع جلالته في شرح هذا الميزان المركب وأخذ يلقنه مكونات هذا الميزان، وعبد الوهاب يستمع إليه وإلى شروحه وإلى ثقافته الموسيقية، ولأنه يعرف أيضا أن جلالته عازف ماهر على آلة الأكورديون.


الكاتب : إعداد : جلال كندالي

  

بتاريخ : 11/04/2023