في المجلس الوطني للفيدرالية الديمقراطية للشغل .. يوسف إيذي : نرفض المقاربة الحكومية في تدبير الحوار المركزي من خلال استبعاد الفدرالية الديمقراطية للشغل من مجرياته رغم حضورها الوازن والفعال في القطاع العام

عقدت الفيدرالية الديمقراطية للشغل مجلسها الوطني، بعد المؤتمر الوطني الخامس، صباح يوم السبت الماضي بالمقر المركزي بالدار البيضاء، تم فيه تشخيص الوضع العام بالبلاد كما كان محطة لتجديد هياكل المنظمة بنفس وحدوي وإيجاد سبل النهوض بالأوضاع ودعم القطاعات.
وقام الفيدراليون والفيدراليات، قبل انطلاق الدورة العادية للمجلس الوطني، بقراءة الفاتحة ترحما على روح المناضلين محمد الزعتري وعبد الرحيم الراوي، وألقى يوسف إيذي، الكاتب العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل كلمة المكتب المركزي جاء فيها :
أخواتي إخواني أعضاء المجلس الوطني للفيدرالية الديمقراطية للشغل
ينعقد مجلسنا الوطني هذا بعد سنة ونيف على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس لنقابتنا، مؤتمر شكل بحق لحظة تنظيمية نوعية مكنت من تجديد هياكل منظمتنا بنفس وحدوي وبحرص قوي من لدن كل المناضلات والمناضلين والقطاعات الفدرالية على الخروج بنتائج تمنحنا الأمل في المستقبل وتعيد الفدرالية إلى صدارة المشهد الاجتماعي المغربي. إن هذه الفترة الفاصلة بين المؤتمر وانعقاد مجلسنا الوطني هذا بصيغته الموسعة بعد المجلس الوطني الأول الذي انتخب المكتب المركزي، كانت كافية لتشخيص الوضع العام لمنظمتنا وتلمس سبل النهوض بأوضاعنا التنظيمية وضمان توفير الحد الأدنى من آليات العمل ودعم القطاعات وإعادة النظر في الخريطة التنظيمية، وفق ما يؤهل تنظيماتنا المجالية للاضطلاع بأدوارها المهمة والمحورية في تأطير الطبقة العاملة وضمان توسع وإشعاع الفدرالية الديمقراطية للشغل.
كما ينعقد مجلسنا هذا في ظل أوضاع عامة ودولية مقلقة خاصة مع استمرار آلة الحرب الصهيونية في حرب الإبادة المنظمة تجاه أبناء الشعب الفلسطيني البطل وبقدر تقديرنا العالي للموقف الرسمي لبلادنا وللمبادرات الشجاعة لجلالة الملك تجاه القضية الفلسطينية عامة وبيت المقدس بشكل خاص، بقدر ما نجدد إدانتنا وشجبنا للعدوان الصهيوني والذي بلغ مداه عبر السعي إلى إقرار أمر واقع مطبع مع جرائم القتل والتنكيل وساعي بكل صفاقة إلى جعل صور جثث الأطفال ومشاهد التشريد والتجويع أمرا اعتياديا ومشهدا روتينيا، في سابقة هدفها قتل الضمير الإنساني ودفع المجتمع الدولي لاعتبار المجازر وجرائم الحرب أمرا مقبولا بل وعاديا باسم الدفاع عن النفس أو مكافحة الإرهاب.
إن حرب الإبادة التي يتعرض إليها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تفرض علينا اليوم أكثر من مجرد إدانة، بل لا بد لنا من الانخراط في كل أشكال الدعم والمساندة لحق الفلسطينيين في الحماية الدولية أولا وفي إقرار دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس، وهو ما بادر له كل الفدراليات والفدراليين في القطاعات والاتحادات المحلية منذ الأيام الأولى للعدوان ونعتبر هذا الأمر واجبا نضاليا وأخلاقا تجاه أشقائنا في فلسطين مؤكدين في هذا السياق على ضرورة الحفاظ على هذا النفس التعبوي والحرص الدائم لنصرة القضية الفلسطينية.
أخواتي إخواني
لقد عرفت الفترة المنصرمة تطورات هامة في سياق حسم المغرب للنزاع المفتعل حول مغربية الصحراء إن على مستوى حجم الدول المساندة للمقترح المغربي للحكم الذاتي أو على مستوى تلك التي أقرت واعترفت بسيادة المغرب على صحرائه، ونسجل في هذا الإطار اعتزازنا بهذه المكتسبات الديبلوماسية وانخراطنا من داخل الإجماع الوطني في الدفاع عن قضية المغرب الأولى منوهين في هذا السياق بالمبادرة الملكية الرائدة بفتح المجال الأطلسي تجاه دول الساحل، وهي المبادرة التي طورت آثار مسار حل ملف قضيتنا الوطنية من تحرير الأرض والدفاع عن السيادة الوطنية إلى خلق أفق رحب للتنمية الاقتصادية والبشرية لشعوب الساحل والصحراء في انسجام تام مع تاريخ المغرب المشرق في تسخير كل إمكانياته لخدمة الشعوب والقضايا الإفريقية، وهو رهان يطرح علينا اليوم كنقابة مواطنة الانخراط، بكل وعي ومسؤولية، في فتح قنوات جدية مع النقابات الإفريقية خدمة لمشروع والتزامات المغرب تجاه إفريقيا.
إن الانتصارات التي يحققها المغرب اليوم على عدة أصعدة تجعلنا أكثر حرصا على التنبيه للنواقص التي تهدد هذا المشروع النهضوي الضخم ولعل أكبر تجلياتها التردد الذي يطبع الأداء الحكومي في إقرار القطائع الضرورية مع التدبير التقني الضيق، والذي خلق احتقانا اجتماعيا غير مسبوق شكل حراك التعليم إحدى عناوينه الكبرى بما واكبه من تخبط وارتجال وإقرار متأخر بفشل المقاربة الحكومية للمشكل الاجتماعي.
إن الواقع الاجتماعي اليوم بما يحمله من هشاشة واستمرار مسلسل إفلاس المقاولات وفقدان مناصب الشغل وانهيار القدرة الشرائية لعموم الأجراء لمؤشر مقلق على فشل التدبير الحكومي للملف الاجتماعي، فلا يكفي اليوم التهليل للدعم المباشر، الذي يشتكي العديد من المعوزين والمعوقين والأمهات العازبات من الإقصاء منه، في الوقت الذي تنهار فيه الطبقة الوسطى نحو الفقر وتتزايد فيه معدلات البطالة بشكل مقلق ويتصاعد فيه مؤشر الدين إلى مستويات قياسية دون تملك رؤية ومشروع واضحين
للجواب على الإكراهات الاجتماعية المتعددة على قاعدة تحصين المكتسبات ومعالجة الاختلالات وخلق أفق أرحب للاستقرار لاجتماعي.
إننا في الفدرالية الديمقراطية للشغل بقدر ما نثمن المكتسبات التي حققتها الشغيلة التعليمية بقدر ما ننبه إلى ما طبع هذا الملف من انعدام حس المسؤولية لدى الحكومة في تثمين الزمن، وهو ما فوت على أبناء الشعب المغربي مئات الساعات من التحصيل العلمي في هدر بشع للزمن المدرسي ما كان ليتم لو امتلكت الحكومة رؤية واضحة وشجاعة لمعالجة هذا الملف منذ إرهاصاته الأولى بل إن هذا التدبير أعطى انطباعا سلبيا لدى العموم بأنه لا سبيل لتحقيق المطالب إلا بخلق الأزمة، وهو نفس السيناريو المحتمل بقطاعات الصحة والعدل والجماعات المحلية وكل القطاعات التي بادرت لإعلان برنامج نضالي.
إن هذا الوضع يدفعنا اليوم للتساؤل حول جدوى الحوارات القطاعية والحوار المركزي إذا لم يؤديا إلى نتائج ملموسة تجنب القطاعات أي توتر وتساهم في تحصين هذه الحوارات وجعلها مؤسسات منتجة محصنة بالثقة الضرورية في شكلها ونتائجها، ولا يفوتنا في هذا السياق تجديد موقفنا الرافض للمقاربة الحكومية في تدبير الحوار المركزي من خلال استبعاد الفدرالية الديمقراطية للشغل من مجرياته رغم حضورها الوازن والفعال في القطاع العام، ونتساءل كيف نتفاوض ونساهم في إقرار الحلول بجل القطاعات والمؤسسات العمومية ويجري إقصاؤنا من الحوار المركزي، إنها مفارقة لا معقولة تؤشر على ضيق أفق الحكومة في التعاطي الديمقراطي مع واقع التمثيلية على قاعدة ثنائية القطاعين الخاص والعام، والتحلي بأفق وطني أرحب يستحضر مكانة وأهمية الفعل والتنظيم النقابي في تحصين الجبهة الداخلية، خاصة أمام حجم الرهانات الكبرى التي تنتظر بلادنا سواء ارتبط الأمر بالمشاريع الاستراتيجية المرتبطة بتنزيل الدولة الاجتماعية أو بمتطلبات مواجهة الواقع المضطرب الناتج عن حالة اللايقين، التي لايزال العالم يعيشها منذ أزمة تفشي وباء كوفيد 19 وما تلاها من تداعيات.
أخواتي إخواني
إن وعينا اليوم بمتطلبات وشروط إنجاح المستقبل والرهانات الاجتماعية ومسؤولية الحكومة في تحقيق سبل إنجاح هذه الرهانات يجعلنا أكثر إصرارا للمطالبة بهيكلة المشهد النقابي وتمكينه من الإطار القانوني والدعم المالي المناسب للاضطلاع بمهمته الوطنية والدستورية في تأطير الطبقة العمالية والدفاع عن مطالبها، ولعل من أهم انعكاسات تردد الدولة في إقرار الإصلاحات الضرورية لتنظيم وعقلنة هذا المشهد خروج عدد من التعبيرات الاحتجاجية خارج الإطار المؤسساتي المفترض به تأطير هذه الاحتجاجات، واستمرار واقع الفوضى الذي يعرفه الحقل النقابي، والمنهجية المتراخية للحكومة في التعاطي مع النقابات، فضلا عن إشاعة ثقافة التشكيك في قدرة وفعالية الحركة النقابية واتهامها بالخنوع وضعف التأطير، هذه المظاهر الآخذة في التطور والتي تجد صدى لها حتى داخل الحكومة من خلال تعطيل الحوار القطاعي وتهميش العمل النقابي بعدد من الوزارات ينذر بتعاظم مظاهر الفوضى تلك، وخروج تعبيرات أكثر شراسة ومغرقة في اللامسؤولية ولربما اللاوطنية إن لم يتم التدخل العاجل والمسؤول لمعالجة هذا الوضع، عبر إقرار القوانين التأطيرية اللازمة، وحسبنا في الفدرالية الديمقراطية للشغل أن ننبه بكل مسؤولية إلى راهنية إخراج قانون النقابات وقانون الإضراب بما يحصن حق الطبقة العاملة في الانتماء النقابي والإضراب، وبما يقطع مع حالات استهداف الحقوق والحريات النقابية والارتكان إلى خلق باطرونة نقابية دورها حماية المقاولات على حساب حقوق الطبقة العاملة، مقابل منافع ذاتية وفساد مقنع تدفع ثمنه المقاولة والعامل والوطن على المديين المتوسط والبعيد، مثلما يقع اليوم بآسفي في معامل التصبير وغيرها من المدن التي تقدم اليوم نموذجا مبتذلا للتمثيلية النقابية عنوانه التواطؤ والتمثيلية الهشة، التي تنهار أمام أول امتحان ولا تجد لها أي صدى أو أثر في تأطير الاحتجاجات الحقيقية النابعة من هموم وتطلعات الناس، وتجعل الدولة في مواجهة مباشرة مع هذه الاحتجاجات بعد انسحاب تلك التمثيليات المصنوعة من دورها الوسائطي.
لقد كنا وما زلنا في الفدرالية الديمقراطية للشغل أصحاب مبدأ نؤمن بالعمل النقابي الحر والنزيه، وبدور النقابة كمؤسسة وساطة وحل النزاعات بكل مسؤولية وحرص على ضمان حقوق العمال وعموم الأجراء وأيضا ضمان استمرارية الخدمات العمومية والمقاولات الوطنية والمواطنة وتقويتها، ومن هذا المنطلق لا بد لنا اليوم أن ندافع كل من موقعه على رؤيتنا ومطالبنا العادلة والمشروعة لهيكلة المشهد النقابي وحقنا في التواجد والتأطير والتنافس الشريف والديمقراطي مع باقي الإطارات النقابية التي تقاسمنا نفس الرؤية والطموح.
أيتها الأخوات أيها الإخوة
إننا اليوم على مشارف نصف الولاية الحكومية دون أن يكون للسنتين ونيف مع عمر الحكومة أي أثر على الأوضاع الاجتماعية للأجراء خاصة أمام موجة ارتفاع المواد الأساسية والسلع الاستهلاكية، ولابد في هذا الإطار والحكومة مقبلة على جولة جديدة للحوار الاجتماعي من التأكيد على ضرورة إقرار زيادة عامة في الأجور في القطاعين العام والخاص مع استحضار وتنفيذ نتائج الحوارات القطاعية في عدد من القطاعات ومراجعة نمط الترقي وكذا إعادة النظر في مدونة الشغل.
ونتطلع إلى أن تتمتع الحكومة بأفق أرحب وديمقراطي وتنتصر لقيم الحوار البناء بالتراجع عن قرارها بإبعاد الفدرالية الديمقراطية للشغل من الحوار المركزي وهو الإبعاد الذي اعتبرناه ذي خلفية سياسية ونفس إقصائي ولا علاقة له بسيادة القانون إذ أن نص مدونة الشغل لا يمكن بأي حال من الأحوال توسيع مدى تطبيقه إلى القطاع العام.
أخواتي إخواني
لابد لنا اليوم ونحن بصدد بحث وإقرار سبل تنزيل مخرجات مؤتمرنا الوطني الخامس أن نناقش، بكل مسؤولية ووضوح، أوضاعنا الداخلية ليس بمنطق جلد الذات لكن بروح الجدية والتوجه نحو المستقبل وخلق الشرط الذاتي للترافع والدفاع عن رؤيتنا لهيكلة وتأطير المشهد النقابي ببلدنا، وهو ما يفرض علينا اليوم أن نتناول بالتشريح واقع قطاعاتنا الفدرالية واتحاداتنا المحلية وتوفير الأجوبة التنظيمية الحاسمة والمستعجلة على هذا الواقع، وفق ما ينتج دينامية ميدانية حقيقية كفيلة بخلق النقلة النوعية التي ننشدها جميعا للفدرالية الديمقراطية للشغل.
إننا في المكتب المركزي نمتلك رؤية واضحة وشجاعة لمعالجة هذه الأوضاع لكنها تبقى رهينة بانخراطكم الواعي في إنجاحها وبلورة خطواتها العملية بدءا بإعادة صياغة العلاقة بين المركزية والقطاعات وبين المركزية والاتحادات المحلية على قاعدة الوضوح والمسؤولية المتبادلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وانتهاء بضمان انخراط كل المناضلات والمناضلين وتعبئتهم لإعادة الوهج للمشروع الفدرالي،
ومن هذا المنطلق ارتأى إخوتكم في المكتب المركزي أن نعرض على أنظاركم عروضا تقنية تهم بالأساس إحداث المركز الفدرالي للدراسات والتكوين، اعتماد الورقة التوجيهية للإعلام والتواصل، إقرار الميثاق المالي، فضلا عن مشروع بناء مقر مركزي جديد للفدرالية الديمقراطية للشغل، هذا مع ضرورة أن تنصب مناقشاتنا على تحليل واقعنا التنظيمي وإقرار خطة عمل محددة في الزمان لتجديد هياكلنا التنظيمية قطاعيا ومجاليا للتوجه نحو المستقبل بنفس الروح والحماس التي أنجحنا بهما أشغال مؤتمرنا الوطني الخامس.


بتاريخ : 06/03/2024