من حوارات الخطيبي -19- كيف يعيش العرب الحداثة!

تساءل دولوز، في كتاب يحمل عنوان “حوارات” Dialogues، ما هو الحوار؟ وما فائدته؟ -فأجاب- ينبغي ألا يتم الحوار بين الأشخاص، بل بين السطور والفصول، أو بين أجزاء منها؛ فهذه الحوارات هي الشخوص الحقيقية” ، وهو في هذا مثله مثل صمويل بيكيت، متحفظ من جدوى الحوارات، ومثلهما أيضا، عبد الفتاح كيليطو، في تردده من إجرائها، لكنه استجاب لها واعتنى بها، وجمعها في كتاب “مسار”.
الكاتب عبد الكبير الخطيبي رجل حوار، أجريت معه حوارات ومقابلات تضاهي ما ألفه من مؤلفات، في وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، بل حظيت بتأليف مستقل مثل كتاب” La beauté de l’absence” للباحث حسن وهبي، وكتاب” Le chemin vers l’autre” . ونجد من محاوريه، الصحفيين والكتاب أنفسهم: غيثة الخياط، والطاهر بنجلون، وبختي بن عودة، وعبد الله بنسماعين، وعبد المجيد بنجلون، وبول شاوول…
إن انتعاشة الحوارات مع المفكرين والمبدعين لمشير على أنهم أفلحوا، أو يسعون إلى ذلك، في إبداع متلقيهم وصناعتهم، بتعبير الخطيبي نفسه. وهو الذي كان يقول “مطلوب من الكتاب أن يقدم نفسه”. لكن الحوار يضمن شروط نجاحه، إذا تناظمت مهارة حذق السائل وخصلة ثقة المسؤول.
في ما يلي الحوار الذي أجراه معه شاكر نوري:

pp المعروف عنك انشغالك الموسوعي بالميادين المعرفية على تنوعها واختلافها وتناقضها. هل يمكن تحديد مسارك المعرفي عن أمكن؟

n n أولا أركز على الأدب كأدب، الرواية والشعر والمسرح، ثانيا في ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية [والأبحاث في الثقافة الشعبية]. وكذلك بعض التحليلات التي أقوم بها حول الحضارات، وبالأحرى الحوار بين الحضارات، كيف تصور الأدب الفرنسي والغربي عامة شخصية العربي، وكانت هذه الأبحاث بمثابة فرصة لي لدراسة الخيال الفرنسي-كذلك
ألفت كتابا عن اليابان بعنوان “الظل الياباني” الذي يندرج في هذا المضمار، وقد أتاح لي كل ذلك الدخول في حوار مع الثقافات والحضارات الأخرى، ولك السؤال الساسي والجوهري في هذا الحوار هو أن ثمة أشياء تقف عند الحدود وثمة أشياء أخرى تمر من خلال هذا الحوار بين الحضارات. وإنني أهتم بالشيئين في آن واحد: ما يمر وما لا يمر في هذه الصلات بين الحضارات، وهناك صلات بين الضارات أساسية مثل الموسيقى، والأدب، والطهو، وفن اللبس، وهناك جانب ثالث من إنتاجي الشخصي يتركز على الأبحاث والمؤلفات عن فن الرسم، الخط العربي، والفنون التشكيلية الأخرى.

pp ثمة اهتمام بارز لديك باليابان. لماذا اليابان بالذات؟ هل فنها تتمتع بحضارة قريبة منا أو بعيدة عنا؟

n n قبل كل شيء إن اليابان حضارة خاصة بها، لكن ينبغي ألا ننسى أن اليابان ظلت تتعلم من الصين طيلة عشرة قرون، فاكتسبت منها التكنولوجيا والهندسة والمعمار والفنون الحربية والخط وأخذت منهم حتى الإله، بوذا أصله صيني، أي أنها الترجمة اليابانية للحضارة الصينية. إذن اليابان بعد مرور عشرة قرون انفتحت على القرن التاسع عشر، وتوافرت لها تقنية ومنهجية العرب -ترجمة الأشياء من حضارة إلى أخرى، فاليابان إذن بهذا التصور ليس معجزة كما يتبادر إلى الأذهان، لأن الخلفية الأساسية لهذه الحضارة هي الصين، ومن بعد استطاع اليابان أن يكون شخصيته المستقلة والذي اكتشف أشياء جديدة.

pp ألا تعتقد أن معجزة اليابان تتركز في أنهم استطاعوا أن يزاوجوا بين الحداثة وتراثهم الوطني؟ هل بالإمكان أن يحذو العرب، باعتبارهم يتمتعون بتراث وطني غزير وغني، حذو اليابانيين نحو آفاق الحداثة؟

n n قبل كل شيء يجب أن نحدد كيف يعيش العرب الحداثة؟ يبدو لي أن المقارنة صعبة، إذا سلمنا بمقولة إن الحداثة هي اختراع المستقبل، لأن صيرورة الحداثة هي اختراع المستقبل، لذا ينبغي أن نحدد كيف يرى اليابانيون علاقتهم بالزمن، فيما نرى أن علاقة العرب بالزمن علاقة مختلفة تماما. إن علاقة الياباني بالزمن علاقة تقنية، وفيها الجانب المقدس، وجانب نفسي، وجانب تقني، الزمن يحتوى على أوجه عديدة، فالعلاقة التقنية بالزمن عند الياباني هي الأساس، بل وهي المقياس والمعيار، أي أن علاقة الياباني بالزمن ليس لها مستقبل، كأن الحاضر يكون مستمرا، فالعلاقة المستقبلية بالزمن يحدده الماضي، إذ إن الصيرورة بالنسبة إلى الياباني هي ضبط علاقته بالزمن وبصورة تقنية، لنأخذ على سبيل المثال الصحافة التي دخلت في القرن التاسع عشر من خلال علاقتها بالزمن عل الصعيد التقني، وكذلك ربط ذلك بالاقتصاد والسرعة. ومن هنا أثرت الصحافة في الكتابة برمتها لأن التكلس أثر في منهجية الكتابة في الصحافة.
وهناك بعض الكتاب الذين كتبوا بالأسلوب البرقي (التلكس)، وهو ما نسميه بالعربية كتابة النسخ، أو خط النسخ، وعندما نتحدث عن الحضارة العربية نطرح السؤال: من نحن؟ لأننا نعتبر أنفسنا نعرف ذواتنا. وفي الحقيقة أننا نجهل الكثير من ذواتنا وعلاقاتنا مع العالم الآخر. إذن في رأيي ينبغي الابتعاد عن الخوض في العموميات، ولا بد لنا أن ندخل في مرحلة اختراع المستقبل عن طريق الإمكانات المتاحة في كل بلد.


الكاتب : إعداد وترجمة: محمد معطسيم

  

بتاريخ : 13/04/2023