من مقدمات الخطيبي (24) : هل التحاب مجرد اسم مشترك؟

“من مقدمات الخطيبي” إضمامة من الاستهلالات، قدم بها الخطيبي بعض أعماله وأعمال غيره في الفكر والإبداع. وهي في إبداعه لا تتجاوز نصا مسرحيا واحدا، ووحيدا في كتابته المسرحية، وهو “النبي المقنع” الصادر عن دار “لارمتان” L’Harmattan في 1979.
قدم الخطيبي أعمال مؤلفين معروفين، وآخرين ليسوا بالقدر نفسه. كما قدم لنساء كاتبات مغربيات. وكانت له استهلالات في المجلتين (المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع، علامات الحاضر)، ووقع مقدمات أخر بالاشتراك.
ونصادف في مقدمات الخطيبي الأكثر ترددا: التمهيد Avant-propos، الاستهلال Préface، التقديم Présentation، الديباجة Prologue، الاستهلال البعدي Postface، الافتتاحية Préliminaire، أو بروتوكول… وهي تصنيفات-رغم تداخلها- صالحة لتأطير ما تثيره كل مقدمة من قضايا حول المؤلف، وتشكل النص، وإضاءات لولوج عالم الكتاب…
غير أننا نعثر على مقدمات، لا تشير إلى نفسها بهذه التسمية، بل تأخذ عنوانا مستقلا حل محلها، أو عنوانا مصحوبا بها.
ليست المقدمة ملزمة ولا ضرورية، في كل كتاب. إلا أنها تستمد قيمتها مثل باقي المتوازيات والمناصات والعتبات. وغالبا ما يعدم حضورها في الهوامش والإحالات، وكأنها خارج النص hors livre بتعبير جاك دريدا.
ورد في كتاب “التشتيت” La dissémination “تكون المقدمة لنص فلسفي غير مجدية ولا حتى ممكنة”. فهل كتب الخطيبي مقدمة فلسفية؟ هذا الحكم القاطع لجاك دريدا يعفينا من إثارة هذا السؤال أصلا؛ فكتابة الخطيبي المتعددة، لا تيسر تأطيره في خانة معينة، فالخطيبي ليس رجل المفاهيم، ولا نعثر له على كتاب فلسفي بالمواصفات الفلسفية، إذا استثنينا “كلمته” التي قدم بها الكتاب الفلسفي لعبد السلام بنعبد العالي: “الميتافيزيقا، العلم والإيديولوجيا”.
ويكاد المنجز الإبداعي لعبد الكبير الخطيبي، يخلو من مقدمات، باستثناء كتابه المسرحي الآنف الذكر. والذي استهله بديباجة Prologue.
لكن، من يقرأ منا كتابا بدءا من مقدمته؟ من يقرأ مثلا، مقدمة “لسان العرب” لابن منظور (1232-1311). الجواب السهل: قليلون نادرون هم من يقوم بذلك. يكشف الناقد عبد الفتاح كيليطو، في إحدى شهادات عن قراءته لمقدمة ابن منظور، وهو أمر قد لا يعني شيئا، للكثيرين من متصفحي هذا المعجم النفيس. ليذكر ما قاله: “جمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون…وسميته لسان العرب”.
حظيت مقدمة ابن خلدون بذيوع صيتها، أكثر من كتابه المقصود بها: “العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر”. وحسابيا، حبر الفيلسوف نيتشه من المقدمات أكثر مما ألف من الكتب. وهذه لعمري معادلة غريبة! ومهمة مستحيلة كما أثبت ذلك “دريدا” وهو يفكك مقدمة “هيجل” في كتابه “فينومينولوجيا الروح”.
ولا تخفى الأهمية من تجميع مقدمات الخطيبي، سواء تلك الواردة في مؤلفاته أو مؤلفات غيره أو في المجلتين اللتين كانا يديرهما. وتوفير بعض منها، في هذه الإضمامة، عرضا وترجمة، تثمينا لهذه العتبات النصية وتبريزها.

 

برتوكول

هل التحاب مجرد اسم مشترك؟ اسم شخصي بالإمكان أن تحمله، بشكل رائع، امرأة محبوبة من بين كل النساء؟ الحب مع أكثر بقليل من الاستبصار والرعاية، أسيكون هذا سر التحاب؟
أقصد ب «التحاب» لغة الحب التي تثبت المحبة الأكثر نشاطا بين الكائنات، والذي يستطيع أن يمنح شكلا لتوادهم ولمفارقاته. أنا مقتنع أن محبة، من هذا القبيل، بإمكانها أن تحرر بعضا من الفضاءات، حيث تُحْظَر المباهج بين الشركاء.
لا يقوم التحاب مقام الحب بصفته كلمة وشذرة من الواقع، إنه امتداد له. إزعاجا لمكان ما زال يخيم عليه الصمت، لا يَحُل أي لغز؛ هو يقترح لغزا آخر، بمثابة حوار شديد الحساسية بين الجسد والعقل.
ما يشترك فيه الحب والكراهية وتبدلاتهما، هو ما خفي عنا أمام جاذبية المعاناة. لا ينفي التحاب هذه المعاناة. مبدأه الوحيد -مبدأ اللايقين الذي تنتظم به السعادة والحب المركب- هو الحفاظ على قدرتنا للولوج إلى التحاب باستمرار، حتى عبر الخيبات، وتلطيف هذه المعاناة، بفضل التجربة المأهولة بالفكر. المخاطرةبمعرفة ما يجري في حياتنا، ليسفائضا من الإرباك، في ذاته.
تجسد التحاب، دائما، في الشعر، الذي تأثر تأثرا عميقا، بنوع من التلطف،إزاء الفرح الكئيب، والحب المستحيل. إنه يحيل أيضا إلى تقليد جميل ورقيق، للحب العفيف.
بين الكاتب والقارئ نثر فني(على حد قول أدباء إيطاليين) وهو هنا مطلوب، نثر يدعو القارئ للعثور عن كلمات انفعالاته وَجَرْسِهَا، والتعرف على مكمن حديث الرغبة، وحيث تثبت ذاتها، بإيقاعها وقوتها المرنة.
يعتبر المؤلف هذا الكتيب بمثابة عطية، ولو أنه لا يخفى عنه هذا المثل السائر في زمننا: إننا لا نعطي للآخر إلا ما يملكه. وأضيف إلا ما لا يملكه، يَنْتَظِرُ أن يُنْسَى. النسيان هو من أكبرعزاءاتنا، هو استعظامنا لكل قوة للحياة مُتَنَبهَةٍ.

Le livre de l’aimance, prose artistique, Abdelkebir Khatibi, Editions Marsam, Rabat, 1995, pp. 5-6.

كلمة إلى القارئ

ستخرج هذه المجلة إلى القارئ العربي لأول مرة في تاريخ الفكر المغربي! وهي تتميز بالخصائص التالية:
-إنها متخصصة في الدراسات الاقتصادية والاجتماعية؛
-إنها مجلة أبحاث؛
-وهي بالتالي موجهة إلى المتخصصين في هذه الدراسات، وإلى المهتمين بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية بصفة عامة.
لقد ظلت المجلة تصدر بالفرنسية أكثر من 40 عاما، وفي أثناء هذه المرحلة كلها، كان القارئ العربي يجهل وجود مجلة دورية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية.
إن الرغبة الملحة في نشر الثقافة العلمية بين أوساط المثقفين يجعلان من الضروري إصدار المجلة باللغة العربية أيضا.
فنرجو أن تنفتح هذه الدراسات على الواقع المحسوس وتنير طريق العمل وتساعد على حل بعض المشاكل الراهنة التي يضعها المجتمع المغربي.
والموضوع الأساسي الذي يقود تفكير المحررين يعود، في نهاية الأمر، إلى التنمية في مفهومها الواسع. لهذا سنخصص مكانة مهمة للعلوم القريبة من علم الاقتصاد /ديمجرافيا، سوسيولوجيا، علم النقس الاجتماعي، اجتماع حضري…)
كما أن المجلة مفتوحة للجميع شريطة أن تكون الدراسات المقترحة تهم المغرب وفي المستوى العلمي.
فهل لنا أن نأمل في أن تصبح المساهمة المغربية العربية إحدى المميزات الأساسية لمجلتنا هذه؟ لا يسعنا سوى أن نتمنى ذلك.

عبد الكبير الخطيبي
المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع، العدد الأول أبريل 1974، ص 3.

 

 


الكاتب : إعداد وترجمة: محمد معطسيم

  

بتاريخ : 29/04/2022