وجهة نظر حول كتاب “سيميائيّات الصّورة الإشهاريّة” لمحمد حدري

في أواسط ثمانينيّات القرن الماضي كانت أولى ملامح الدّرس السّيميائي في طور التّشكّل داخل الكلّيات المغربيّة وإلى جانبه كانت علوم السّرد واللّسانيّات الحديثة تحاول شقّ الطّريق في جغرافيا منهجيّة كانت فيها المقاربات التّقليديّة في دراسة الأدب واللغة شبه مهيمنة في فضاءاتنا الأكاديميّة .

وفي خضمّ هذا التّحوّل المعرفي كانت كلّية الآداب بمكناس، الحديثة النّشأة وقتها، بفضل مواردها الشابّة من الأساتيذ تسير بتؤدة في منحى تحديث الدّرس الأدبيّ عبر تطعيمه بما استجدّ في الحقل الثّقافي، الفرنسي بالخصوص، من مستجدّات على مستوى مناهج التّحليل التي أعادت الاعتبار للنصّ وأغنت مناهج استقباله بمختلف العلوم المستجدّة آنذاك في الساحة الثقافية العالمية وخصوصا ما يتعلق منها باللسانيات والسيميائيات والبلاغة الجديدة.

وذلك ما أفرز بهاته الكلية منذ تسعينيات ذات القرن سياقا أكاديميا شهد له بالتميّز والفرادة في الوسط الجامعي الوطنيّ وهو سياق كان من ثماره استنبات الدّرس السّيميائي مع رائده الأول في بلادنا الأستاذ سعيد بنكراد الذي تمكّن إلى جانب طاقات أخرى متشبّعة بالعلوم الحديثة في مجالات الفلسفة والبلاغة والنّقد الادبي من تشييد صرح جديد ومميّز لمسلك الدراسات الأدبية بهاته الكلية العتيدة .

وهكذا كان الانفتاح في البداية على السّرديات الحديثة وعلى أعلام النقد الجديد في فرنسا وبعده ستتوسع الدّائرة مع تراكم التجربة لتشمل  الاهتمام ب” العلامة ” وتصبح مجالات الدرس مستوعبة لكل الخطابات الممكنة في التواصل : اللغة ، الصورة بكل تنويعاتها، الإماءة، الرموز، الاشكال الهندسية وغيرها من العلامات التي وظّفها وأنتجها الانسان ولازال ينتجها لتحقيق تبادلاته الرّمزية.

وهذا ما أسفر عن تكوين أجيال من الطّلبة  توزّعتهم هاته الاهتمامات الجديدة بل أن عيّنات منهم اختارت، نتيجة انجذابها لعوالم السيميائيات، الانخراط في مغامرة البحث العلمي، رغم قساوة الظروف المحيطة به في بلادنا، وإنجاز أطاريح تستنير بمدّخرات هذا العلم بعد سنوات طويلة من التحصيل والبحث في ميادين السّرد والصّورة الفوتوغرافية والسّينما والخطاب الإشهاري وغيرها حيث كان من بينها أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها محمد حدري ونوقشت بذات الكلية سنة 2006 وكانت تحت عنوان : مكونات الخطاب الإشهاري: من التّوليد إلى التّأويل (بعض التّيمات الكبرى).

هذا، ولعلّ الكتاب الصّادر له حديثا تحت عنوان: “سيميائيات الصورة الإشهاريّة (مدخل نظري)”، للدكتور محمد حدري، يأتي في سياق شوط أخر من سيرورة مغامرة البحث لدى هذا الباحث حيث يبدو أنّ الهدف الضّمنيّ الذي توخّاه هو المساهمة في تحرير المفاهيم السيميائية من من إسار الغموض الذي يكتنفها عبر تقريبها من مدارك المتلقّي العادي ومن الطّلبة و المهتمّين خصوصا ما يتعلّق منها بالصّورة ، عموما ، والإشهاريّة منها على وجه الخصوص.

انّه كتاب جدير باهتمام كل المقبلين على تحليل خطاب الصّورة وخصوصا الاشهارية منها انّا كانت مواقعهم وتخصّصاتهم الأكاديمية ( التواصل ، الاقتصاد ، الاجتماع، الادب ، ….) وذلك ما يحسب في نظري لصاحبه خصوصا وأنّ الإشهار يكاد يكون ” وجبة يوميّة يتناولها الصّغار والكبار وعلينا أن نتعلّم كيف نقرأه من خلال لغاته والياته التّواصلية لا من خلال ما يقترحه من سلع وخدمات ” (1)، وقد قسّم الباحث عمله إلى فصلين، الأول تحت عنوان: نحو نحو للخطاب البصريَ ، أما الفصل الثاني فاختار له عنوان: الصورة الإشهاريّة: خصائص وبنية خطاب.

وبأسلوب يطبعه الايجاز والدّقّة في تحديد المرجعيّات غاص الكاتب في رصد سيرورة معنى العلامة منتقلا من معناها في اللسانيات إلى معناها في السيميائيات، ثم بعد ذلك سينتقل الى تناول سيميائيات النسق البصريّ مميّزا في بناء الدّلالة فيه بين التّمثيل الأيقوني والتّمثيل التّشكيليّ ليمرّ مباشرة في الفصل الثاني إلى تناول موضوعه الرّئيس المتمثّل في الصّورة الإشهارية محاولا الإحاطة ببلاغتها وبأشكال بناءها للدّلالة عبر التّركيز على شكل محدّد لهذا الخطاب وهو الملصق الإشهاريّ باعتبار خصوصيتة التي تجمع بين اللغة والصورة وهو ما يجعلنا نرجّح أن هذا النّوع الاشهاري هو الذي سيحتلّ مركز الصّدارة في الشقّ التّطبيقي الذي سيحمله الجزء الثاني من هذا الكتاب الواعد.

وإجمالا،  فإنّ هذا العمل يسعى في جوهره ، في تقديري ، إلى الكشف عن آليات الإقناع التي ينتهجها الخطاب الإشهاري كخطاب يصنّف عادة لدى أهل “الصّناعة” في خانة ” التّواصل الفعّال”  وذلك عبر إثارة الانتباه إلى الخلفيات الثقافية التي تسنده وإلى الأساليب الحجاجيّة والبلاغية التي يستعملها للتسرّب خلسة إلى وجدانات الأفراد والجماعات عبر تركيزه على مخاطبة اللاشعور في الإنسان ” لإرغامه على الاستهلاك السّفيه لموادّ لا تحقّق سعادته بل قد تزيد من شقائه ” (2) ، ولعلّ ذلك ما سيوضّحه بالملموس الجزء التّطبيقي المنتظر من الكتاب الذي من المفترض انه سينشغل بتفكيك هندسات عيّنات مخصوصة من وصلات الإشهار التي تكاد تحاصرنا في كلّ مكان من اجل إضاءة استراتيجياتها القائمة على جدليتي الإخفاء والإجلاء.

 

(*) باحث في التراث الثقافي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

*سيميائيات الصورة الإشهارية ( مدخل نظري )، محمد حدري ، دار بصمة لصناعة الكتاب فاس، الطبعة الاولى ،2021.

(1) سعيد بنكراد ، استراتيجيات التواصل الاشهاري ( المقدمة )، الموقع الالكتروني : سعيد بنكراد .

(2)محمد الولي ، الإشهار أفيون الشعوب المعاصر، مجلة علامات، عدد 27 ، سنة 2007  ، ص 20.

 

 

 

 


الكاتب : المصطفى فروقي (*)

  

بتاريخ : 10/08/2021