أكدوا على أن الحقيقة ستنجلي حتما وبأن العدالة ستتحقق يوما عائلات وأصدقاء الحسين المانوزي يخلدون الذكرى الخمسينية لاختطافه في محفل إنساني وحقوقي متميز

أكد فاعلون حقوقيون، أول أمس السبت في الدارالبيضاء، أن كشف الحقيقة التي تهمّ ضحايا الانتهاكات في المغرب كاملة هو أمر لا بد منه، وبأن العدالة ستتحقق وبأن الإنصاف سيتأتّى، رغم كل المحاولات التي قد تقوم بها بعض الجهات من أجل طمس الحقائق والسعي للإفلات من المحاسبة.
وشدّد مشاركون في اللقاء الذي نظمته عائلة وأصدقاء المناضل السياسي والنقابي الحسين المانوزي، لتخليد الذكرى الخمسينية لاختطافه، أول أمس السبت بمقر دار المحامي في الدارالبيضاء، على أنه في انتظار كشف الحقيقة والطي النهائي لهذا الملف سيتواصل نضال أسر وأقارب وأًصدقاء كل هؤلاء الضحايا ولن تخفت حدّته مهما اتسعت دائرة الألم المرتبطة به.
وشدد عدد من الفعاليات السياسية والحقوقية والجامعية، التي أبت إلا أن تلبي الدعوة وأن تشارك أسر عائلات مختطفي ومجهولي المصير هذا اللقاء الإنساني بأبعاده الحقوقية المتعددة، على أن مسيرة الديمقراطية لا يمكن لها أن تكتمل إلا بتحقيق الإنصاف والعدالة، وتمكين أسر الضحايا من توديع أقاربهم الذين تم تغييبهم قسرا من أجل إسكات أصواتهم المنتقدة، مؤكدين على أن مسارهم النضالي لم يمت بموتهم لأنهم ذاكرة المجتمع.
ودعا النقيب عبد الرحيم الجامعي في هذا الصدد، في كلمة له خلال هذا الملتقى، إلى التمييز بين من يرحلون واقفين بكل مجد، كما هو الحال بالنسبة للحسين المانوزي، وبين من يرحلون بدون أثر، مشددا على أن هناك من يعتقد أن الحسين قد رحل، والحال أن عائلته وأصدقائه والمجايلين له ومن هم بعده يعتبرونه حيا قائما بينهم.
وندد النقيب الجامعي بالاختطاف الذي اعتبره جريمة ونفي للوجود، مشددا على أن هذه الخطوة تعكس كل ما يمكن تصوره حول انتهاكات حقوق الإنسان، مؤكدا أن الحسين المانوزي هو ضحية جريمة من جرائم الدولة.
وأوضح المتحدث أن الضحية في واقعة الاختطاف وما يليها من تفاصيل، ليس هو فقط المعني بالأمر أو أسرته وإنما المجتمع ككل، مشددا على أن ذاكرة المجتمع تظل حيّة ولن تنسى الجريمة وهي تطالب بالحقيقة وبعدم إفلات المجرمين من العقاب.
واختتم الفاعل الحقوقي مداخلته بالتأكيد على أنه أمام أسرة وأصدقاء المانوزي وكل المتعاطفين مع هذه القضية المدافعين عنها سنوات للتكلم عن صبر وإصرار الجميع إلى حين اكتشاف الحقيقة الكاملة مهما كلّف ذلك الثمن.
من جهته، أشاد الحقوقي صلاح الدين المانوزي، بعائلات مختطفي ومجهولي المصير الحاضرين وجميع الناجين من المعتقلات السرية، وبكل المناضلين الذين يواصلون المطالبة بإنصاف ضحايا انتهاكات الدولة والكشف عن مصير من لا يزال الغموض يلف مصيرهم.
وأكد المتحدث أنه مرت 50 سنة على الاختفاء القسري للحسين المانوزي منذ 29 أكتوبر 1972، بعد أن تم اختطاف المهدي بن بركة قبله، موضحا أن الغاية من الاختطافين معا بعث رسالة مشفّرة لمن يهمهم الأمر، مستعرضا تفاصيل العملية التي تمت على الأراضي التونسية قبل أن يتم نقله إلى المغرب على متن سيارة دبلوماسية، مؤكدا على أن العملية جُنّدت لها كل الإمكانيات من أجل تحقيقها، لكن الحسين تمكن من الهرب لاحقا من مركز الاعتقال النقطة الثابتة 3 بطريق زعير بالرباط، رفقة 7 معتقلين آخرين، الأمر الذي تسبب في حالة استنفار أمنية كبيرة أدت إلى اعتقاله مرة أخرى.
وأكد صلاح الدين أن العزيمة القوية للحسين مكنت من تكسير جدار الصمت، مشددا على أن جواب الدولة حينها كان هو توسيع رقعة الحصار فتم حرمان العائلة من القوت اليومي، وفرضت عليها الإقامة الجبرية، مستعرضا الخطوات التي سعت لإجهاض مسيرة آل أمانوز، والتي شدد على أنها فشلت في ثنيها عن موقفها.
ووقف المتحدث عند بيان المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في 1998 وما تلاه من مواقف، على رأسها تسليم الأسرة شهادة وفاة مزورة للحسين المانوزي التي تم رفضها، وتأكيدها على مواصلة مسيرة النضال لأجل الكشف عن كل الحقيقة في هذا الملف.
وفي السياق ذاته، أثنى صلاح في كلمته على المرحومين والدي الحسين، والدروس التي قدماها للجميع في حياتهما ومن خلال ما عاشاه، مبرزا في نفس السياق أن الأسرة تعاملت مع هيئة الإنصاف والمصالحة انطلاقا من أربعة أسس تتمثل في الحقيقة وجبر الضرر الفردي والجماعي والعدالة إضافة إلى عدم التكرار، لكن تقريرها النهائي لم يحمل كل الحقيقة لأنها لم تسدل الستار عن مصير الحسين المانوزي، وإن اكتفت بإبراز بعض الوقائع المرتبطة بظروف الاعتقال. وإلى جانب ما سبق نوّه صلاح الدين بالأدوار التي قام بها عدد من المحامين في مختلف الدول وكذا المحامون المغاربة، متوقفا عند بيان الحقيقة والعدالة من أجل الحسين المانوزي، مختتما كلمته بطرح سؤال هل مات الحسين، قبل أن يجيب بأنه لم يمت، مشددا على أنه إن كان رسميا قد قتل فهو لا يزال حيا، وبأن مساره النضالي لن يموت.
وشهد اللقاء تقديم عدد من المداخلات، ومنها تلك التي تخص الفاعل الحقوقي ابراهيم أوشلح، الذي خصص حيزا هاما من مداخلته للتنويه بالمحامين وبأدوارهم الطلائعية، مشددا على أن هيئة المحامين المغاربة كان حضورها بارزا ومتواجدة في قلب كل المحاكمات السياسية التي عرفها المغرب منذ بداية الاستقلال، موضحا كيف أن الهيئة الطبية التحقت هي الأخرى لمساندة من هم في حاجة لذلك، في الوقت الذي أبرز بأن هناك هيئات أخرى لا تزال غائبة للأسف. واستعرض أوشلح تفاصيل التعرف على محامي أسرة المانوزي آلان مارتيني، مذكرا بالمواقف العديدة التي تبناها وإسهاماته في المجال الحقوقي بشكل عام، وما يخص ملف الحسين المانوزي بشكل خاص.
بعد ذلك تم عرض مداخلة مسجلة للمحامي الفرنسي آلان مارتيني من فرنسا، باعتباره محامي العائلة منذ 1975 ، الذي اعتذر عن الحضور بسبب مرض زوجته المفاجئ مما تطلب نقلها إلى المستشفى.
وأكد مارتيني أنه بجانب الجميع في هذه المعركة، موجها تحيته إلى كل من هم حول أسرة المانوزي. وأوضح المتحدث في التسجيل الذي تم بثه كيف أنه لم يتم التوصل لحد الساعة بأي جواب نهائي بخصوص ملف الحسين، وبأن كل ما يتعلق بملف اختطافه ونقله إلى المغرب ومحاولة هربه ثم اعتقاله لاحقا، تم الوصول إليه بمجهودات خاصة لأن السلطات لم تقدم أي دليل أو إشارة في هذا الإطار.
وأثنى مارتيني على المحامي عبد الرحيم برادة وبأدواره ومساهماته وبكونه عرض مهنته للخطر بسبب الدفاع عن موكليه ومواقفه، مشددا على أنه أدى الثمن باهظا وبأن عائلة المانوزي استطاعت بالفعل أن تعوّل عليه، قبل أن يتطرق للحدث المنظم في باريس من طرف جمعية ذاكرة المهدي بن بركة، مختتما كلمته بالتأكيد على أن سيكون إلى جانب منظمي اللقاء في الأيام المقبلة للوصول إلى الحقيقة.
وفي كلمته، التي استعرضت سياقات تاريخية من مسار ملف المناضل السياسي والنقابي الحسين، مع الإشادة بكل الهيئات والتنظيمات المدنية والحقوقية وبنضالات الأسر والعائلات وكل المناضلين عامة، دعا مصطفى المانوزي محامي الأسرة، إلى اعتبار المعتقل السري النقطة الثابتة 3 بطريق زعير، موقعا للضمير، مشددا على ضرورة العمل على إدخاله في الخريطة العالمية كنقطة ومعلمة سوداء، مع العمل على الإعلان عن مؤسسة تهتم بهذا الملف وبكل ضحايا هذا المعتقل لأنه ليس هناك من ضمانة على إمكانية السعي لمحوه.
ودعا المحامي الفاعل الحقوقي كذلك رئيس النيابة العامة لحث الوكيل العام للدارالبيضاء على فتح تحقيق حول تصريحات البخاري وكذا المدعو لبيض، هذا الأخير الذي سعى، بحسب المتحدث، لتشويه علاقة الحسين بالجيش في لقاء إعلامي، مشددا على ضرورة توضيح العلاقة النبيلة للجيش مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وجدير بالذكر أن هذا اللقاء الذي قام بتسيير أطواره الإعلامي رشيد الفكاك، تخللته كلمات متعددة، إلى جانب تلاوة لرسائل وشهادات، فضلا عن تقديم لوحات فنية وغنائية، ساهمت فقراتها بفضل الإبداع الفني الذي تم توظيفه للدعوة لخدمة الحقيقة وتحقيق العدالة، في تنويع برنامج هذا الملتقى الوطني وفي توجيه الرسائل المراد بعثها بصيغ مختلفة.


الكاتب : وحيد مبارك

  

بتاريخ : 07/11/2022