أولياء مغاربة في مصر -16- العارف بالله أبو المعاطي كرس حياته للتصوف واهتم بالمساجد والمتصوفين

العلاقة التي تربط المصريين والمغاربة ،علاقة تمتد في الزمن منذ قرون،فقد تعددت أوجه هذه العلاقة كما تشهد بذلك كتب التاريخ .
ووفق المؤرخين، فقد هاجر العديد من المغاربة إلى الديار المصرية في عهد مولى إسماعيل، خاصة من فاس ومراكش، حيث استوطن أهل فاس في القاهرة، في حين استوطن أهل مراكش في الإسكندرية.
وتؤكد المصادر التاريخية، أن المغاربة الذين اختاروا مصر مقاما جديدا لهم، يعتبرون من التجار الكبار، وهناك تأقلموا مع أهل هذا البلد، فنمت تجارتهم، بل استطاعوا أن تكون لهم اليد العليا على المستوى التجاري والاقتصادي، فأصبحوا فعلا يشكلون النخبة هناك، ولهم تأثير واضح على مستوى الحكم.
تمكن المغاربة الذين اندمجوا بسرعة في المجتمع المصري،من توسيع تجارتهم، لتمتد إلى خارج مصر، وتصل إلى مكة والشام، بل بنوا حارات جديدة مازالت قائمة في مصر إلى اليوم، شاهدة على ما قدمه المغاربة من إضافة إلى وطنهم الجديد.
لم تقتصر الأيادي البيضاء للمغاربة على مصر في هذا الباب، بل ظهرت جليا على مستوى العلم والتصوف.
وكما يقال، إن كان الإسلام دخل إلى المغرب من الشرق، فإن تأثير المغاربة في المشرق جاء عن طريق علماء الصوفية.
في هذه الرحلة، نستعرض أهم أشهر المتصوفين المغاربة المدفونين في المشرق خاصة في مصر ،الذين تركوا بصمات وأتباع لمدارسهم الصوفية إلى اليوم ،حيث يستقطب هؤلاء المتصوفة المغاربة، الملايين من المريدين المصريين كل موسم.

سيدي أبو المعاطي له مريدون ،خاصة أهالي دمياط بمصر،ولشدة تعلقهم بهذا الولي الصالح المغربي، يحرصون على الاحتفاء بمولده كل سنة في ليلة النصف من شعبان.
وتمتد أيام الاحتفاء بمولد العارف بالله سيدي أبو المعاطي من 8 إلى 15 شعبان من كل عام، حيث يعتبر الاحتفاء بمولده من أهم وأكبر الموالد بدمياط، وهو بالنسبة لأهالي دمياط، يعادل مولدي العارفان بالله المرسي أبو العباس، والسيد البدوي.
العارف بالله «فاتح بن عثمان الأسود التكرورى» يعد أحد أعمدة التصوف فى عهد المماليك، جاء إلى مصر قادماً من مراكش بصحبة السيد البدوي وعبد الرحيم الدسوقي ، اتجه إلى محافظة دمياط ليرسي قواعد التصوف فكان بمثابة طوق النجاه لمتصوفي المحافظة آنذاك.
وحسب كتب التاريخ، فإن العارف بالله سيدي أبو المعاطي، عمل قفاصاً ليوفر قوت يومه، سكن بجوار مسجد «عمرو بن العاص» ليشيد منزله والذى تحول بعد ذلك إلى مسجد.عرف عنه كثرة العطايا فكانت تقصده الأهالي للدعاء لهم، فأطلق عليه «أبو المعاطى» كناية عن كثرة عطاياه.
استمرت رحلته مع التصوف، أخذ على عاتقه الاهتمام بالمساجد والمتصوفين، عرف عنه الزهد، وقدم الكثير من المواقف التى كانت سببا فى الحفاظ على تاريخ دمياط حين تصدى لبطش المماليك، حتى مات فى 695 هجرية.
تحتفظ كتب التاريخ التي تطرقت إلى سيرته، بعدد من المواقف، إذ عاش أبو المعاطي، عثرات دمياط إبان الحملة الفرنسية، شهد صراعات المماليك على عرش مصر، فكان له مواقفه المشهوده فى إنقاذ دمياط حينما أمر أحد الخلفاء بهدمها ومحو آثاراها خوفاً من عودة الفرنسيين مرة أخرى، ولكنه كان له موقف مشهود إذ أبى أن يهدم مسجد عمرو ابن العاص فكان منه أن اعتكف ثلاثة أيام حتى مرت الحملة بسلام.
وجاءت قصته مع الفارس جلال الدين شيحة أحد المجاهدين من أبناء دمياط، حينما أتاه هاربا من مطاردة جنود نابليون طالبا الحماية، فأمره العارف بالله أبو المعاطي أن يسكن تحت إحدى الأقفاص التى قام بتصنيعها، وحينما جاء الجند أخبرهم بمكانه ولكنهم تركوه ظنا منهم أنه يسخر منهم.
ونقلت جريدة الوطن المصرية عن
محمد أبو قمر، الكاتب المتخصص في تاريخ دمياط، أن أبو المعاطي كان من أهل الجماعة والسنة، قدم من مراكش على سبيل التجريد، وسقى بها الماء في الأسواق دون مقابل احتسابا، ثم انتقل إلى الجامع الكبير بدمياط (جامع عمرو بن العاص)، وأقام بوكر أسفل منارته، دون أن يخالط أحدا سوى عند إقامة الصلاة، يخرج ويصلي، فإذا سلم الإمام عاد إلى وكره، فإذا اعترضه أحد بحديث كلمه، وهو قائم بعد انصرافه من الصلاة، وكان يفارق أصحابه عند الرحيل، فلا يرونه إلا وقت النزول، ويكون سيره منفردا عنهم، لا يكلم أحدا.
وكشف محمد أبو قمر،أن أبو المعاطي عاد إلى دمياط فأخذ يرمم جامع عمرو بن العاص، وينظفه بنفسه، وأقام فيه، وكان منذ هدم المدينة لا يفتح إلا يوم الجمعة فقط، وعين فيه إماما براتب ليصلي بالناس الصلوات الخمس، وسكن في بيت الخطابة، وواضب على ذكر الله، وجعل في المسجد قراء يتلون القرآن بكرة وأصيلا،كما كان يقول لو علمت بدمياط مكانا أفضل من الجامع لأقمت فيه، ولو علمت أن في الأرض بلدا يكون الفقير أخمل من دمياط لرحلت إليه، وأقمت به، ولم يعمل له سجادة قط، ولا أخذ على أحد عهد، ولم يرتد طاقية، ولا قال أنا شيخ ولا أنا فقير».
ومات «أبو المعاطي» ودفن تجاه شرق جامع عمرو بن العاص داخل سور كان يحيط الجامع، وساحاته، أي داخل ساحته شرقا، في مقبرة حجرية كصندوق حجري، ويعد من أقدم الأضرحة المعني بها في مصر، والثاني في دمياط بعد «شطا التابعي»، وقد وصفته لجنة حفظ الآثار العربية بأن «رسمه معمول متفرد في فن العمارة العربية، وكان ضريحا يحاكي أعظم أضرحة القاهرة، ووضعت لوحة على باب الضريح كتب عليها أبيات شعرية.


الكاتب : n إعداد وتقديم: جلال كندالي

  

بتاريخ : 29/03/2024