اعبث أنت أيضا، بانتباه أصدقائك 10

 

إهداء
إلى مايا، صولال، ونوح :
أَبدًا، لاتَنْسُوا أَنْ تَظَلُّوا
بأعْيُنٍ مُتَطَلِّعةٍ، و أيَادٍ مَمْدُودَةٍ.

مقدمة
لَوْ كانَ بحوزةِ راكِبِي “تَيْتَانِيك” “هواتفُ ذكيةٌ / SMARTPHONES”، كَمْ كانَ سَيَبْلُغ عَدَدُ الَّذين سينْساقُونَ وراءَ إغْرَاءِ الْتِقاطِ سيلفيّ، رُفْقَةَ الأوركستر البُطوليّ، الَّذي ظلَّ يُواصلُ العزفَ حتَّى لحظةِ الغَرَقِ؟
قبلَ الغوْصِ في تفاصيلِ هذه القضيَّة، يَتَعَيَّنْ أن تعلموا أنَّه بإمكانكم اليوم، أن تُصبحوا وسيطاً دعائيّاً، عَبْرَ ثلاثِ نَقَرَاتٍ، ومقابلَ حُفْنَةٍ من الدّولارات. ثَمَّةَ تطبيقٌ كاليفورني، استفادَ من الكيفيَّة الَّتي يَستهدِفُ بها «فايسبوك» زبناءَهُ، ليقترحَ خِدمةَ التَحكُّم، «The Spinner”، المُتَيَسَّرَة في مُتَناولِ الجميع. تطبيقٌ؛ بمقدورهِ أن يَتَعَقَّبَكَ، على طريقةِ رَجُلِ التحريَّاتِ الخاصّ.
أَتَوَدُّ أن تُقْلِعَ زَوْجَتُكَ عن التَّدخين؟ أو أنْ يتخلَّى إابْنُكَ عن فكرةِ ركوبِ درَّاجَتِهِ النَّاريَّة؟ أو أنْ يُغَيِّرَ زميلُكَ، في العمل، مِهنتَه؟ يمكنُ تحقيقُ كلِّ هذه الأماني، مقابلَ ثلاثين دولاراً فقط.
التِّقنيَّةُ بسيطةٌ للغاية : في مرحلة أُولَى، تُسِرّ إلى التَّطبيق برقمِ هاتفِ الشَّخصِ المُسْتَهْدَف، والَّذي سيتلقَّى رسالةً نَصِّيَّةً قصيرة. ما إنْ يَنْقُرَ الرَّابط، حتَّى يجدَ نفسَهُ واقعاً بالفخِّ. للتَّو، يَنْشُطُ “جاسوسُ مِلَفِّ تعريفِ الإرتباط / Cookie Mouchard”، ثُمَّ بعد ذلك، يَنْغَلِقُ الشَّرَك ! أثناءَ إبحارهِ على الأنترنيت، و بالطبع، على “فايسبوك”، سَيَكُونُ الشَّخْص الضَّحِيَّة، والَّذي تَحَدَّدَتْ، مِنَ الآن وصاعداً، هُوِّيَتُهُ، مُعَرَّضاً لمحتوىً مقصود، يستهدفُ حائطَهُ الفايسبوكي، وفي مواجهةِ مالا يقلّ عن عشرِ مقالاتٍ مختلفة، تُبَثُّ 180 مرَّة على مدارِ ثلاثةِ أَشْهُرٍ ! إنَّ تَغْيِّيرَ السُّلوكِ، هو الهدفُ الرَّئيسُ من هذا الإفراطِ التحريريّ.
لنأْخُذْ مثالَ الأُمْنِيَةِ الأكثرُ شُيُوعاً، طِبْقاً للإحصائيَّات، أيْ إعادةُ تأْهيلِ الطَّاقةِ والرَّغبةِ الجِنْسِيَّتَيْنِ لدى الشَّريكِ، مُلْتَمَسٌ، حسب المَوْقِعِ، غالباً ما يَرْفَعُهُ الرِّجال. حينها، ستجِدُ الزَّوْجَة، أو عشيقةُ الزَّبونِ، نفسَها أمامَ وابلٍ من المقالاتِ الإشهاريَّةِ بعناوينَ صريحةٍ، من قَبيلِ “أَهَمِيَّةُ الجِنْسِ داخلَ الزَّواجِ السَّعيد”، أو “الأسرارُ العَشْرَة لاسْتِعَادَةِ اللَّذَّةِ الجِنْسِيَّةِ، مُجَدَّداً، مع الشَّريكِ”، أو أيضاً، شهادةٌ حَيَّةٌ لامرأةٍ عَثَرَتْ، أخيراً، بَعْدَ مَحطَّاتٍ أليمَةٍ، على سعادتِهَا داخلَ عُشِّ الزَّوْجِيَة. لَقَدْ أَقْسَمَ “Elliot Shefler”، مديرُ (The-Spinner)*، أَنَّهُ استعادَ جيِّداً، زبناءَه، حتَّى و إنْ لَمْ تَكُنْ بِحَوْزَتِهِ أيَّ دراسةٍ موثُوقةٍ بهذا الشَّأْنِ.
ولَمَّا سُئِلَ عَنِ الوَازِعِ الأخلاقيّ لمُمَارَسَاتِهِ، أجابَ بنوعٍ مِنَ الوقاحةِ، أنَّهُ لَمْ يَخترع شيئاً جديداً، فالعلاماتُ التِّجاريَة، كما الأحزابُ السِيَّاسِيَّة، ودائماً مِنْ مَنْظُورِهِ الخاصّ، تَسْتَهْدِفُنَا، مند سِنينَ عديدة، على مواقعِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ، سَعْياً وراءَ تغيِّيرِ سُلُوكِنَا. إنه فقط قَدَّمَ هذه الإمكانيةَ للبسطاءِ من النَّاسِ. هكذا يُصَارِعُ “Elliot Shefler”، مِنْ أَجْلِ دَمَقْرَطَةِ التَّحَكُّمِ. صِراعٌ يَطْرَحُ أسئلةً عديدةً، أخلاقيَّةَ وفلسفيَّة.
يَنْطَبِقُ الشيءُ نفسُهُ على (La Start-Up Dopamine Labs) – ثَمَّةَ إلْتِبَاسٌ بَيْنَهَا وبين أَخصائيِّ الأمراضِ النفسيَّةِ والعصبيَّة – فهي تَستعملُ تِقنيَّاتِ الإقناعِ، موضوعُ الإستنكارِ الواردِ أعلاه، خِدمةً لأغراضَ نبيلةٍ، كتشجيعِ الأشخاصِ على ممارسةِ الريَّاضة، أو التَّحَلِّي بجاهزيَّةٍ جيِّدةٍ، بفضلِ نظامٍ تعويضيّ، لا من أجلِ التَّلاعبِ بشُكوكِ المُستخدِمِ وتوجيهِهِ، فمِثْلُ هذه الممارسات، كما يُثْبِتُ ذلك الفيلسوف “Gaspard Koenig”، تَنْتَهِكُ الإرادة الحرَّة للأشخاص، وهو غرضٌ غير مرغوبٍ فيه أبداً، حَّتى و إنْ تَقَنَّعَ بالنَوايَا الحَسَنَة. ففي فرنسا، مثلاً، لازال تَشْريعُ الإتحادِ الأُوربيّ، لحدِّ الآن، يؤمِّنُ حمايةً، بكيفيَّةٍ شُموليَّة، ضِدَ هذا الإجتياح الَّذي تُباشِرُهُ تِقنيَّاتُ الإقناعِ. طبعاً، “The Spinner” ليسَ إلاَّ أداةُ احتيالٍ تحاولُ بوقاحةٍ، أنْ تُغَيِّرَ سلوكَ واحدٍ من مُقَرَّبيك.
ولكن، لِنَتَخَيَّل لو أنَّ الأمرَ لايتعلَّقُ ب 30 دولاراً، ولكن، بملايينِ الدُّولاراتِ المُسْتَثْمَرَة، ولا بِرَجُلٍ يعاني من مشاكلَ جِنْسِيَّةٍ، ولكن بِمُرشَّحٍ يطمعُ في رئاسةِ أوَّلَ قوَّةٍ إقتصاديَّةٍ عالميّاً، ولا بإمرأةٍ فقدتْ رغبتَها الجنسيَّة، ولكن بملايين النَّاخبين الَّذين يُتَعَيَّنُ حَصادُ أصواتِهِم.
لِنَتَخَيَّل لو أنَّ مُشغِّلَ الخِدْمَة، ليس تطبيقُ “The Spinner”، ولكن هيئَةً بريطانيَةً مختصَّة في الدِّعايةِ السيَّاسيَّة، تحملُ إسمَ “كامبريدج أناليتيكا” ! (Cambridge Analytica ).


الكاتب : محمد الشنقيطي / عبد الإله الهادفي

  

بتاريخ : 08/09/2023