الموسيقار عبدالواحد التطواني سيرة فنان وإنسان (23) : الضيوف يخرقون البروتوكول الملكي والجنرال مولاي حفيظ العلوي وإدريس بنونة يتدخلان

الفنان الكبير عبد الواحد التطواني، واسمه الحقيقي عبد الواحد كريكش، كان أول فنان مغربي يفتتح البث التلفزي للإذاعة والتلفزة المغربية سنة 1962 بأغنية،» علاش ياغزالي» مع الفنانة الحاجة الحمداوية .
بحكم دراسته للموسيقى وموهبته المبكرة، وسطوع نجمه في سماء الفن المغربي، التحق سنة 1963 بجوق إذاعة طنجة مع الراحل عبد القادر الراشدي، لينتقل إلى جوقي فاس ومكناس الجهويين، وفي 3 مارس 1968 التحق كمطرب بالجوق الملكي بأمر من المغفور له الحسن الثاني، وكان من بين من حضروا وعايشوا أحداث محاولة الانقلاب الفاشل سنة 1971 بالصخيرات.
غنى من ألحان كبار المبدعين المغاربة، كما غنى من ألحانه كبار نجوم الأغنية المغربية، وراكم العشرات من الأعمال الإبداعية طيلة مسيرته الفنية.
تعددت مواهب الموسيقار عبد الواحد التطواني، لتتخطى الغناء والتلحين والزجل والتشكيل، وتمتد إلى التمثيل، حيث شارك في العديد من المسرحيات وحاز على العديد من الجوائز التقديرية ووسام الاستحقاق الوطني.
الفنان القدير عبد الواحد التطواني يعتبر أول من غنى في أوبيريت في تاريخ الفن المغربي بعنوان ‘‘ بناة الوطن ‘‘، كتبها أحمد الطيب العلج وأخرجها فريد بنمبارك، وكانت من ألحان العربي الكوكبي ومحمد بن عبد السلام، ومن بطولة عبد الواحد التطواني وأحمد الطيب العلج ومحمد حسن الجندي وعزيز موهوب وبهيجة إدريس وإسماعيل أحمد ومحمد الإدريسي وقدمت للتلفزيون سنة 1967.
اشتغل، كما تقول سيرته الفنية، إلى جانب الفنان الأسطورة سليم الهلالي، حيث شكلت هذه التجربة إضافة إلى مسيرته المليئة بالعطاءات، ويعد أحد الرواد المتميزين في الموسيقى المغربية، لذلك لقب بـ «كنار المغرب الأقصى» و»مطرب الملوك».
في هذا اللقاء مع جريدة الاتحاد الاشتراكي، نسترجع مع سي عبد الواحد التطواني مسيرة هذا الرجل الفنان والإنسان.

 

 

كانت ليلة فنية بامتياز تلك التي سبقت اليوم الذي شهد المحاولة الانقلابية الفاشلة في الصخيرات، يتذكر الفنان القدير عبد الواحد التطواني، ويزيد قائلا:» انتهى الحفل في حدود الساعة الثانية ليلا وحينما يغادر جلالته يتوجه الجميع لتناول طعام العشاء، وبالمناسبة أمرنا رئيس الجوق الملكي أن نرتدي ليوم غد « الكسوة البيضا «، انتهينا من الأكل وتوجهنا إلى الشاحنات العسكرية التي ستقلنا إلى مدينة الرباط، نزلت مع مجموعة من الأصدقاء الموسيقيين في شارع الحسن الثاني، بالضبط في المكان الذي يطلق عليه « السبايس» دخلت منزلي في الساعة الرابعة صباحا ونمت ساعات قليلة استعدادا لليوم الموالي واحتفالات عيد الشباب بقصر الصخيرات.
في الساعة السابعة تقريبا غادرت فراشي وأخذت حماما باردا ليساعدني على الاستيقاظ، نعم لم أنم جيدا، لكن سهرة ليلة البارحة ببذخها الموسيقي تستحق أن أسهر لأجلها.
ارتشفت كأس قهوة وارتديت ملابسي الخاصة، أخذت طاكسي صغير حملني إلى الثكنة العسكرية بالحرس الملكي، وصلت في التوقيت المناسب، بعدما تأكد الكومندار من حضور الجميع وركوبهم، أمر الشاحنات العسكرية بالتوجه إلى قصر الصخيرات ليكون وصولنا تقريبا في الساعة التاسعة صباحا.
خلال المدة التي استغرقتها الشاحنات للوصول أغمضت عيني قليلا لأستريح، حين وصولنا وجدنا ساحة القصر وقد عجت بالمدعوين الذين بدأوا في التقاطر على القصر الملكي وملعب الكولف الملكي، أين كان جلالته يمارس لعبته المفضلة مع بعض المقربين، توجهنا إلى المكان المخصص لنا في ساحة المسبح داخل القصر من جهة الشمال المطل على البحر ثم صعدنا المنصة المبنية بالإسمنت والآجر، وبدأت جنبات المسبح تمتلئ بالضيوف والمدعوين.
جلسنا ننتظر إشارة البدء في العمل، أذكر جيدا ذلك الصباح الذي لايزال موشوما في ذاكرتي، كنت أحس بضيق، وأرجعت ذلك إلى أنني لم أنم لساعات كافية، لهذا كانت أحاسيسي مضطربة، بعد الساعة الحادية عشرة وقع حادث غريب لا تعرفه مثل هذه المناسبات، فقد دخل المخزني المسؤول عن « المطبخ التقليدي» إلى ساحة المسبح وسقط في نوبة هستيرية وكانت الرغوة البيضاء تخرج من فمه، سارع إليه الدكتور بنيعيش وبعض» المخازنية « ليتم حمله إلى المصحة الملكية بقصر الصخيرات.
أذكر كذلك بعض الفنانين الموسيقيين كالفنان العربي الكوكبي، الذي شرع في أخذ صور مع الفنانين الضيوف المشارقة، وشخصيا لم يكن يستهويني ذلك، كنت مازلت صغيرا في السن إذ لم يكن عمري يتجاوز 27 سنة.
استغربت عدم حضور الفنان عبد الحليم حافظ لكن قيل لي إنه كان في الأستوديو يقوم بتسجيل أغنية بالمناسبة، في الظهيرة رأينا جلالته قادما من المسبح بعدما قام بالسباحة فيه، وقفنا لتحيته، فدخل من الباب الذي على يمين المسرح المؤدي إلى مقر إقامته، وكان يحرس هذا الباب أحد المخازنية ويسمى « عبد الواحد مرجان «، تأخر جلالته قليلا في الرجوع، مما جعل بعض المدعوين يشرعون في الأكل، وهذا أمر غير معمول به في البروتوكول الملكي في مثل هذه المناسبات، مما دفع كلا من الجنرال مولاي حفيظ العلوي ومدير التشريفات الملكية آنذاك إدريس بنونة، للصعود إلى المنصة المخصصة لنا ثم أخذ إدريس بنونة مكبر الصوت وتكلم باللغتين العربية والفرنسية آمرا الحاضرين بانتظار جلالة الملك، وأن يتوقفوا عن الأكل حتى يحضر جلالته، لكن الجنرال مولاي حفيظ العلوي خاطب إدريس بنونة قائلا : « قولها ليهم حتى بالإسبانية «
بالنسبة لي كانت هذه الأشياء غريبة، بالإضافة إلى الإحساس بالضيق، والذي كنت أرجعه إلى قلة النوم والعمل المتواصل، بدأ الوقت يمر ثقيلا على نفسيتي.
كانت المائدة الملكية أمامنا مباشرة، وغير بعيد عنها فرقة من الطباخين الإسبان بلباسهم التقليدي يهيؤون مقلاة كبيرة من الأكلة الشهيرة « بايلا» معلقة على ثلاثة أعمدة وتحتها نار خفيفة وهم واقفون في انتظار قدوم الملك، كنت أنظر في جميع الاتجاهات، كان الجميع في أحاديث جانبية، كبار الجنرالات وكبار الوزراء والضيوف من كل الجنسيات والفنانين العرب، لقد سبق لي الحضور في الكثير من حفلات عيد الشباب بالقصر الملكي، لكنها المرة الأولى التي ألاحظ الاختلاف، بالمناسبة حضرت مرة وحيدة في عهد جلالة الملك محمد السادس، أطال الله عمره، في عيد الشباب بمدينة تطوان.
وأنا أتابع الحضور بعيني تعالى صوت المخازنية معلنا قدوم الملك « الله يبارك فعمر سيدي « وقفنا ووقف الجميع لتحيته، تقدم جلالته إلى مائدته الملكية التي كانت بعيدة عنا بحوالي خمسة أمتار، كانت طاولات مخصصة لحاشيته المقربة عن يمنيه ووراء طاولته وعلى بعد أمتار كبيرة، طاولات مخصصة للمدعوين، بعدما جلس جلالته وبجانبه الأمير مولاي عبد الله والدكتور بنيعيش، أمر جلالته رئيس الجوق الملكي بأن نقدم وصلة من الموسيقى الأندلسية، «قدام رمل الماية»، شرعت الفرقة الملكية في العزف وبدأ الضيوف في الأكل.

*****

 


الكاتب : جلال كندالي

  

بتاريخ : 28/04/2022