النموذج الجديد للتنمية

أي نموذج لأي ثقافة؟

أصدرت اللجنة الوطنية لإعداد النموذج الجديد للتنمية أخيرا تقريرها النهائي حول هذا النموذج، بعد سنتين من الاشتغال. وهذا بناء على مقاربة تشاركية، شملت العديد من الخبراء، إلى جانب المؤسسات والأحزاب السياسية والمجتمع المدني.
ركز التقرير على محاور ورافعات عدة للتنمية، إضافة إلى ميثاق وطني مصاحب له، تهدف، على نحو ما جاء فيه، إلى اقتراح مسار للتنمية له مصداقية وقابل للتنفيذ في آجال معينة، هي 2035.
وبالنظر إلى أن التقرير من شأنه أن يكون محل نقاش عمومي، فقد رأيت المساهمة في هذا النقاش، بتسجيل انطباعاتي الأولية بشأنه. وهذا بالتوقف أولا عند منطلقاته أو أسباب نزوله، قبل بسط أهم محاوره العامة، وما يتعلق منها بقطاع الثقافة كمثال.

 

1 – أهمية التقرير

إن أولى الأسئلة التي يطرحه هذا التقرير، في تقديري، هي : ما أسباب نزوله؟ وما علاقته بالتقارير السابقة؟ وهل نحن في حاجة إليه في الأصل؟
ليست هذه أول مرة يعرف فيها المغرب صدور تقرير وطني، بشأن وضعه العام، حيث منذ تقرير البنك الدولي الشهير لسنة 1995 (الذي أعلن عاهل البلاد وقتها من خلاله أن المغرب مهدد «بالسكتة القلبية»)، والتقارير تتوالى، سيما بعد سنة 1999، في محاولة للوقوف عند أمراض «الجسد المغربي» واقتراح علاجات له.
هذا ما اتضح بجلاء خلال بداية الألفية، حيث ظهرت على التوالي تقارير عدة، أبرزها: تقرير ماكينزي، وتقرير المندوبية السامية (آفاق المغرب 2030، الذي مازال ساري المفعول)، وتقرير الخمسينية…، إلى جانب زخم من التقارير الدولية والوطنية، العمومية أو الخاصة، العامة أو القطاعية.وهي التقارير، التي بنى عليها المغرب نموذجه الجديد (وقتها) للتنمية، المبني على : البرامج القطاعية الوطنية (نحو 32 برنامجا قطاعيا، منها: المغرب الأخضر، مغرب انبثاق الصناعي، مشروع «مدن دون صفيح»، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، البرنامح الوطني لتأهيل المدن، المغرب الرقمي، رواج، الهاليوتيك..)، إضافة إلى مشاريع الأشغال الكبرى (مشروع طنجة ميد، مشروع تهيئة ضفتي أبي رقراق، مشروع كازا ميد، مشروع «نور» للطاقة الشمسية، اللوجيستيك…).
شكلت هذه المشاريع في مجموعها نقلة نوعية، دون شك، مكنت المغرب من تحقيق منجزات هامة، على مستوى تجهيز البلاد. كما توقفت عنده تقارير عدة، سيما التي ظهرت بمناسبة مرور 20 سنة على العهد الجديد، والتي لا نرى ضرورة للتوقف عندها هنا. يكفي القول إن بلادنا حققت، على إثرها، نموا سنويا قدره 4,5%، كما ارتفع دخلها الوطني الخام خلال هذا العهد بنحو 75% تقريبا.
لكن، ما أوضحته تقارير عدة، وطنية ودولية، أن هذا وتيرة هذا النمو لم تكن كافية لتلبية الحاجيات الوطنية والقضاء على مظاهر العجز التي تعاني منها مؤسسات عدة، إضافة إلى معالجة إشكالية البطالة والفقر والتهميش التي تشكو منها فئات عدة من مجتمعنا. ما جعل عاهل البلاد، يطرح في عدد من تدخلاته، منذ سنة 2014، إشكالية المفارقة التي ظهرت بين تطور البرامج والمشاريع الكبرى، وآثارها الضعيفة على هذه الفئات بالذات.
لقد تم الاعتقاد بداية أن تدني مستوى التنمية البشرية يرجع فقط إلى خطأ تقني (عدم احتساب الرأسمال غير المادي في الثروة الإجمالية للبلاد). ومن هنا جاءت مبادرة إعداد تقرير لهذا الرأسمال سنة 2014. لكن ظهور هذا التقرير عند نهاية سنة 2016 ، سرعان ما أوضح، أن المشكلة أعمق، وأن المغرب لا يعاني فحسب من النقص في الرأسمال المادي، بل وكذلك في الرأسمال غير المادي (الرتبة 123 عالميا في التنمية البشرية)، ما جعل السلطات في بلادنا، تعلن سنة 2017 عن تأسيس لجنة سيعهد إليها وضع تقرير عن نموذج جديد للتنمية. وهي التي تم تنصيبها فعلا سنة 2019، لتقدم تقريرها المذكور في أبريل سنة 2021. يبقى السؤال: هل بلادنا فعلا في حاجة لمثل هذا التقرير؟ الجواب يتغير حسب طريقة النظر.
* إذا أخذنا المسألة من زاوية سوء النية، قلنا إن الدولة على علم بالتقارير السابقة، وتعرف أن التقرير الحالي لن يكون سوى نسخة مكرر منها. ما يفيد، أن المسألة، في الجوهر، مجرد تسويف وربح الوقت، بل هروب إلى الأمام يعكس عجزا، سياسيا وبنيويا، عن مواجهة المشكلات التي تعاني منها بلادنا، والتي توفقت عنها بوضوح التقارير السابقة.
* وإذا أخذناها من زاوية حسن النية، قلنا إن الدولة، بعد أن كشف لها تقرير الثروة الإجمالية ما كشف، ارتأت في ضوء الاستحقاقات القائمة (انتخابات 2021 وما بعدها)، أن تزود المغرب بسردية وطنية (un récit national)، متوافق بشأنها، تكون بمثابة «خريطة للطريق» أو «مشروع للمستقبل»، تتم تعبئة كل القوى السياسية والرأي العام وراءه.
وبما أني لست من أصحاب النوايا السيئة (والله أعلم ما في الصدور!)، وأقدر المصاعب التي تواجه بلادنا، في الداخل والخارج، في عالم أضحى أكثر تعقيدا مما سبق، فيطيب لي أن أتشبث بالسيناريو الثاني. وهذا على أمل أن يكون هو الأرجح (على الأقل مؤقتا، ريثما يتم التحقق من نتائجه الفعلية في ما بعد). وأتمنى أن تسعى الدولة فعلا إلى تحقيقه.

2 – مضمون التقرير

طيب، ماذا جاء في هذا التقرير أو «السردية الوطنية» المقترحة علينا كمواطنين؟ تم تقسيم التقرير عموما إلى تقديم وثلاثة أقسام هي : تعلق الأول منها بمغرب الغد، والثاني بالنموذج التنموي الجديد، والثالث برافعات التغيير (مع الميثاق الوطني للتنمية).
تضمن القسم الأول أسباب النزول وحيثيات التقرير ومبادئه (الانسجام، الشراكة، التفريع، الأثر العملي، الابتكار والتجريب، تعزيز القدرات، الاستدامة) وأهدافه (مغرب مزدهر، مغرب الكفاءات، مغرب الجرأة، مغرب مندمج، مغرب مستدام)، ومؤشرات تقييمه. كما تضمن الجزء الأول والثاني من القسم الثاني الطموحات والمرجعية الجديدة للتنمية.
هذا جميل! لكن ما يهمنا هو ما جاء في الجزء الثالث من هذا القسم، تحت عنوان: «المحاور الاستراتيجية للتحول». وهي المحاور التي حصرها التقرير في أربعة، هي:
*المحور الأول، جاء بعنوان «اقتصاد منتج ومتنوع قادر على خلق قيمة مضافة ومناصب شغل ذات جودة». وتضمن: الاستراتيجيات الفرعية التالية: تأمين المبادرة المقاولاتية، وتوجيه الفاعلين الاقتصاديين إلى الأنشطة المنتجة، وإحداث صدمة تنافسية، وإطار ماكرو اقتصادي في خدمة البيئة، وبروز اقتصاد اجتماعي كدعامة أساسية للتنمية
* المحور الثاني، جاء بعنوان «الرأسمال بشري معزز وأكثر استعداد للمستقبل». وتضمن الاستراتيجيات الفرعية التالية: تعليم ذو جودة للجميع، نظام للتعليم الجامعي والتكوين والبحث العلمي يرتكز على حسن الأداء وعلى حكامة منسجمة ومسؤولة، وضمان للولوج إلى خدمات صحية ذات جودة عالية وللحماية الاجتماعية الصحية (..).
* المحور الثالث، جاء بعنوان «فرص إدماج الجميع وتوطيد الرابط الاجتماعي». وتضمن الاستراتيجيات الفرعية التالية: دعم استقلالية النساء وضمان المساواة بين الجنس والمشاركة، تشجيع إدماج الشباب وتنمية شخصيتهم عبر الرفع من فرص وسبل المشاركة المتاحة لهم، والنهوض بالتنوع الثقافي كرافعة للانفتاح، وقاعدة صلبة للحماية الاجتماعية تعزز الاندماج والقدرة على التحمل وتجسيد التضامن بين المواطنين.
* المحور الرابع، جاء بعنوان «مجالات ترابية قادرة على التكيف: فضاءات لترسيخ التنمية». وتضمن الاستراتيجيات الفرعية التالية: العمل على انبثاق مغرب الجهات مزدهر وحيوي، ضمان إعادة تنظيم ترابي متجدد يضع المواطن في صلب السياسات العمومية ويمكن من توزيع أنجع للخدمات العمومية لتصل إلى آخر وحدة ترابية (الدوار)، وتيسير تهيئة مندمجة للمجالات الترابية وتحسين السكن وإطار العيش وتعزيز الربط بالشبكات والتنقل، والحفاظ على الموارد الطبيعية وتقوية قدرات الصمود لدى المجالات الترابية أمام التغيرات المناخية، والحفاظ على الموارد المائية (…).
هذه هي عناوين المحاور الأساسية واستراتيجاتها الفرعية بعجالة. فأي قراءة يمكن اقتراحها لها؟ من أبرز عناصر القراءة، كما اتضحت لي، هي:
أولا- أن المنهجية المتبعة لإعداد التقرير، ليست علمية أو دقيقة بغض النظر عن الكفاءات العلمية المحترمة وراءها. وذلك من وجهة أنها رامت وضع تقرير كامل وشامل يتحدث عن كل المجالات في نص واحد. وهذا مستحيل، بالنظر إلى كثرة القطاعات وطابعها المشتت والمتنوع. وكان من الأجدر، في تقديري، الاكتفاء بتقديم تقرير بين 20 و30 صفحة، يكون بمثابة تلخيص شديد، يتضمن القرارات المزمع اتخاذها بوضوح، وترك التفاصيل إلى التقارير الفرعية: قطاع الاقتصاد، قطاع التعليم، قطاع الصحة، قطاع الثقافة..الخ.
ثانيا- أن المحاور والاستراتيجيات والرافعات، كما تم وضعها ليست جديدة، إذ هي ذاتها التي ترددت، مثلا، في تقارير الخمسينية وتقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (الثروة الإجمالية سنة 2016، والنموذج الجديد للتنمية سنة 2019). بل، والمثير هو لجوء هذا المجلس إلى إعداد تقريره الأخير بذات الاسم، والتشاور مع ذات الفعاليات، للخروج بذات الخلاصات الكبرى، موازاة مع اشتغال لجنة إعداد النموذج الجديد للتنمية. فكيف نفسر هذه الازدواجية في العمل، أي إصدار تقريرين عموميين في ذات الموضوع؟
رابعا- أن التقرير لم يشر إلى كل البرامج القطاعية الوطنية ولا إلى برامج الأشغال الكبرى المذكورة أو غيرها. والحال، أن المنطق كان يقتضي الانطلاق أولا من وضع تقييم، بل وتدقيق (Audit)، لكل هذه البرامج والمشاريع، التي مازال بعضها ساري المفعول، والتي رصدت لها أموال طائلة. بما يفيد أن المشكل في بلادنا، ليس غياب التقارير، بل في عدم تطبيق ما يعد منها؟ وبالتالي، أنه إذا كان من الضروري وضع تقرير فكان يجب أن يكون حول: «ما الأسباب التي تعوق تنفيذ مقترحات التقارير المنجزة في بلادنا؟».
خامسا- يقول التقرير إن « الحكومة المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية مسؤولة عن إعداد البرنامج الحكومي وتطبيقه بما يتوافق مع التوجيهات الملكية» و»الرؤية الاستراتيجية لرئيس الدولة ((ص 60). ما يطرح مسألة صنع القرار في بلادنا، ومن المسؤول عن ماذا؟ ما الذي يحدد ما يتوافق وما لا يتوافق مع هذه التوجيهات أو الرؤية؟ ما مسؤولية الأحزاب السياسية في وضع برامجها الخاصة؟ وما هامش الحكومة في وضع برنامجها الحكومي فعلا، سيما وأن التقرير تحدث عن «استقلالية القرار» لدى الفاعلين العموميين؟
سادسا- من خلال تجربتي الخاصة في العمل، أعرف أن «الشيطان في التفاصيل»، وليس في التوجهات أو الشعارات المعلن عنها أو المتفق بشأنها. والحال أن التقرير، بحكم طبيعته الكلية، تفادى الدخول في ذلك. مع أن هذا هو الحل الحقيقي أو الفعلي لمشاكل التنمية في بلادنا. وهي التي تكمن، كما نعرف، في: التحكم في القرار الحكومي، وثقل هيكلة الدولة (كثرة الإدارات والمؤسسات، والتداخل في الاختصاصات)، والريع السياسي والاقتصادي، وعدم تطبيق القانون، والامتيازات، والفساد، والرشوة، والمساس بالحريات ، الخ. فهل هناك نية فعلا في تجاوز الكليات أو العموميات للدخول أخيرا للتفاصيل؟ ومن مصلحته فعلا في ذلك، في بلادنا؟

3 – القطاع الثقافي

ومن التفاصيل ما تعلق بالقطاع الثقافي، الذي يمكن أن نأخذ هنا كمثال فحسب لقصور التقرير في تشخيصه، وضعف التوصيات التي اقترحها بشأنه.
لكن قبل التعليق، ماذا قال التقرير بشأن الثقافة بالضبط؟
جاء حديث التقرير عن الثقافة ضمن المحور الثالث، أي في الاستراتيجية الثالثة تحت عنوان «النهوض بالتنوع الثقافي كرافعة للانفتاح».
وهي التي احتوت العناصر الفرعية التالية: إدماج قوي للثقافة في المنظومة التربوية، ودعم الإعلام أو الأخبار والنقاش العام ومواكبة مسار تحوله الرقمي، وتشجيع تطوير مبادرات ثقافية مبدعة ‘إبداع مادة إعلامية ثقافية، تنشيط الفضاءات الثقافية، الصناعات الثقافية، الخ)، ودعم وتنشيط إنتاج إعلامي مبتكر يهتم بالجودة، ووضع علامة مميزة لفائدة الفاعلين والمبادرات الثقافية والإعلامية، وضمان المحافظة على الموروث الوطني والذاكرة الجماعية وتثمينها وتعزيز إشعاع التاريخ والثقافة المغربية على المستوى الدولي.
هذه هي استراتيجية الإصلاح الثقافي، حسب التقرير. وهي التي تستدعي مني الملاحظات التالية:
أولا- أن الحديث عن المسألة الثقافية جاء ضمن المحور الثالث، كما قلت، أي «فرص لإدماج الجميع وتوطيد الرابط الاجتماعي». وهذا يفيد أن الثقافة، بهذا المعنى، هي أداة فحسب للإدماج الاجتماعي، أو تعزيز الهوية. وهذا من بين وظائف الثقافة، دون شك، وليس الثقافة ذاتها كقطاع.
ثانيا- أن الاستراتيجية المذكورة جاءت تحت عنوان «النهوض بالتنوع الثقافي كرافعة للانفتاح». ما يفيد أن هدف الثقافة، لدى التقرير، ينحصر في دعم التنوع الثقافي. والحال، أن من يدعم التنوع الثقافي هي السياسة الثقافية المتبعة (وليس الثقافة التي هي بطبيعتها متنوعة)، كما أن هذا الهدف هو جزء من هذه السياسة، وليس كلها.
ثالثا- ربط الثقافة بالتربية، أي دمج الثقافة في المنظومة التربوية، وهذا «بإدراج النقاشات والمحاضرات والمناظرات التي تمكن من صقل ملكة النقد والجدل والحوار والانفتاح على الآخر وطرق تعليم بعض المواد كالتاريخ والفلسفة وتعلم اللغات». وهذا هدف جميل، لكن من يقول غير ذلك؟ أي جديد هنا، خارج ما أصدره المجلس الأعلى للتعليم من توصيات؟
رابعا- ربط الثقافة بالإعلام، من دفع التقرير إلى تركيز الاقتراحات المتعقلة بالثقافة على هذا الجانب. مثل: «دعم الإعلام والنقاش العام، وإبداع مادة إعلامية ثقافية، ودعم إنتاج ثقافي وإعلامي»، علما بأن للقطاع الإعلامي العمومي في بلادنا إشكالياته الكبرى، وعلى رأسها تبعيته للدولة (التي تعززت أخيرا)، ما يحد بالضرورة من فعاليته وحريته.
خامسا- الحديث عن إنشاء وتنشيط فضاءات ثقافية في مختلف المناطق، والمحافظة على التراث الوطني هو حديث في محله. وهذا كلام جميل. لكنه جاء، مثل ربط الثقافة والإعلام، بلغة فضفاضة تفتقر إلى الدقة أو التحديد، ولا ترقى بالتالي لأن تكون «استراتيجية».
وباختصار، لم يتم الحديث عن «القطاع الثقافي» بل عن «الثقافة»، بشكل مجرد. أي من خلال شعارات عامة، هدفها تحقيق «التنوع الثقافي والإدماج الاجتماعي». ولم يتم الحديث عن قطاع ثقافي اقتصادي منتج، له مرفق مستقل (وزارة الثقافة)، وترتبط به «صناعات ثقافية وإبداعية»، جعلتها منظمة اليونسكو من رافعات التنمية في كل الدول.
وهذا يثير الاستغراب، سيما إذا عرفنا أن هناك تقارير عدة حول القطاع الثقافي، أعدتها أطراف عدة (3 تقارير منها صدرت، مثلا، عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي)، كما قدمت وزارة الثقافة برنامجا طموحا (2012-2016)، حدد المهام الكبرى للقطاع، وأصدر وثائق عدة في الموضوع (عناصر من أجل استراتيجية للتراث، أفكار حول «المغرب الثقافي»، ومنظومة دعم الإبداع والمبدعين والتظاهرات الثقافية، الخ).
كان من الواجب أن يؤخذ هذا في الاعتبار في التقرير، حتى لا نبدأ من الصفر دائما، أو نتراجع حتى على ما تم تسجيله من مكتسبات. بل، وكان على لجنة التقرير، البحث في : ما هي العراقيل الحقيقية التي تواجه القطاع الثقافي، وحالت دون تطبيق برامجه المذكورة فعلا؟ لأن من هنا كما قلت، يبدأ الإصلاح الحقيقي، أي من التفاصيل.
والحال أن العديد من العراقيل، هي مع الأسف، سياسية، ترتبط بإشكالية التحكم المشار إليها. ومثاله أن الوزارة المعنية لم تجد من يدعمها على المستوى الرسمي في برامجها المقترحة، بل تم التدخل السافر في شؤونها، واقتطاع جزء من اختصاصاتها (مثل فصل قطاع المتاحف والخزانات التراثية عنها، وبناء تجهيزات ثقافية أو برامج لحماية التراث دون إشراكها..). وهذا حتى لا نتحدث عن ميزانيتها الهزيلة (0,25% من ميزانية الدولة).
لذا المطلوب، بغض النظر عما جاء في التقرير، وضع «استراتيجية وطنية للثقافة»، في شكل برنامج وطني «المغرب الثقافي»، يتم وضع مخطط مضبوط له، بميزانية معينة، وآجال للتنفيذ، في أفق 2035. تتضمن المحاور الواضحة التالية:
* تعميم التجهيزات الثقافية على كافة المناطق المغربية، سيما المهمشة منها. وهذا بمعدل 10 تجهيزات على الأقل كل سنة، بشراكة مع الجهات والجماعات المحلية المعنية.
* دعم منظومة الإبداع والمبدعين والتظاهرات الثقافية (بعد مراجعتها)، والاتجاه نحو خلق مجلس أو وكالة وطنية للتدبير العقلاني لهذا الدعم.
*حماية التراث المغربي (بإنشاء وكالة وطنية للتراث).
* تقوية التعاون الثقافي، الوطني (تعاون أفقي مع الوزارات المعنية والمجتمع المدني) والدولي (مع الدول الصديقة، عبر خلق «وكالة الإشعاع الثقافي المغربي الدولي»)،
* تحسين الحكامة والتدبير، أي الإدارة الثقافية واللاتمركز (الجهوية الثقافية الموسعة).
طبعا، لامجال للتوسع في عرض استرتيجيات هذه المحاور ورافعاتها. وهدفي هو لفت الانتباه إلى أن «هناك مغرب ثقافي ممكن»، يمكن للنموذج المذكور تبنيه ودعمه.

خلاصة

حاولت في هذا المقال تسجيل انطباعات سريعة على ما جاء في تقرير النموذج الجديد للتنمية في المغرب. ومما استنتجته أنه، بغض النظر عن نقائصه المشار إليها، فهو يمثل مرجعية أو «سردية وطنية»، تستحق التعبئة من أجلها، والعمل على تنفيذ ما جاءت به في كل المجالات، ومنها المجال الثقافي. هذا أملي على الأقل، و»إن غدا لناظره لقريب» !


الكاتب : محمد بهضوض

  

بتاريخ : 04/06/2021