حكايات تروى لأول مرة على لسان رواد «الغيوان» – 15- بوجميع : السر الغامق لكم فرزتو والكنز المخفي لكم فتحتو

محمد الدرهم : بوجميع كان يواجه الشرور بالضحك

نعود بجمهورنا الكريم في هذه السلسلة الرمضانية، إلى بعض من المسارات التي عاشتها الأغنية الغيوانية، والتي إما مرت دون انتباه أو ستسرد لأول مرة، وهي مسارات ومحطات ندونها على لسان رواد المجموعات، والذين منهم من انتقل إلى دار البقاء ومنهم من مازال بين ظهرانينا يتمم الرسالة والمسير…

 

في الحلقة السابعة من الحوار المطول الذي أجريته مع الفنان الكبير محمد الدرهم، بمعية زميلي جلال كندالي في رمضان 2001 ، كان الحاج محمد الدرهم مركزا على علاقة جيل جيلالة بالغيوان، وعن علاقته بالمرحومين العربي باطما ومؤسس الأغنية الغيوانية بوجميع، وسأنقل بأمانة ما جاء على لسان الدرهم كما دوناه في تلك السنة. يقول الدرهم :
الفنان لا يجب أن توقفه مثل تلك العقبات التي ذكرت، أو أن يتأثر بأحكام ذات خلفية معينة، أنا هنا أتحدث عن الفنان الذي له إيمان بقضايا ذات أهداف نبيلة، إذ غالبا ما تعترضه أمور غير منتظرة تشوش على مساره، لكن يكفيه أن يكون متسلحا بقناعة حقيقية بتلك القضايا، وأن ينعكس ما يتغني به على سلوكه في الحياة العادية· وإلا سيكون مصيره المقت، ففي الوسط الفني عموما نلاحظ العديد من التناقضات التي من شأنها أن تحط من قيمة الفنان وصورته لدى الجمهور· فكلمة فنان أو صفة فنان تتطلب من صاحبها أن يكون مؤمنا بما يفعل وما يقول، بل عليه قبل هذا وذاك ان يكون إنسانا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، وهنا تحضرني صورة المرحوم بوجميع (الله يرحمه)، فهذا الفنان الكبير كان رهيف الإحساس ومكنوزا بالحب، التقيت وإياه في أيامه الأخيرة عدة مرات هنا في بيتي، نناقش عدة أمور ونتداول عدة أفكار، فهذا الرجل لم يكن يتأثر بما كان يلحقه من أذى من طرف الآخرين، وكان يواجه شرور الآخرين تجاهه بالضحك، إذ كلما سمع شيئا مؤلما في حقه، كان يطلق ضحكة جميلة وهذا يعرفه القريبون منه، لقد كان غريبا حقا، ولكن يبدو عليه التوتر والغضب إذا ما سمع شيئا مؤلما في حق الأصدقاء والمعارف، بل كان ينتفض في وجه من يوجه مثل هذا الكلام الى أصدقائه خصوصا أثناء غيبتهم· كانت للمرحوم رغبة أكيدة في أن تتعامل ناس الغيوان وجيل جيلالة معا وان تقوما بأعمال مشتركة، مادام الهدف واحدا والمصير واحدا· لقد كان ينزعج للخصام ويجنح دائما للتسامح، وهذه الميزة كان يتقاسمها الى حد ما مع المرحوم العربي باطما، وقبل أن أعطي مثالا عن ذلك، لابد وأن أشير إلى أن هذا الفنان كان فريدا من نوعه بالنسبة لي، فصوته في الغناء نادر جدا، وبمجرد ما أسمعه يخرجني من مرحلة ما قبل الاستماع لينقلني إلى التربة المغربية والطبيعة المغربية وإلى الجذور، ويأخذني الحنين إلى مراحل قديمة ولحظات معينة·
عشت معه بعض «الصراع» ليس الصراع بمعناه التقليدي ولكن خلافات في وجهات النظر حول أمور فنية، وأتذكر من جملة النقاشات التي ثارت بيننا في الأيام الأخيرة من حياته رحمه الله، حول مسألة الكتابة للتلفزيون، حيث سألني لماذا لا تكتب مسلسلات للتلفزيون؟ وكان هو في ذلك الوقت قد كتب بعض الأعمال للتلفزيون واعتبر أن عدم كتابتي لأعمال تعرض على قناة موجهة للعموم، هو نوع من حرمان الجمهور من بعض إبداعاتي، وطال النقاش بيننا حول هذا الموضوع وشرحت له أنه «إذا كانت لديك قناعة بأن التلفزيون يؤدي الحقوق اللازمة للمبدع، فأنا عكس ذلك وبغض النظر عن تعويضات الفنان، فهل أضمن إذا ما تقدمت بعمل إلى التلفزيون أن يسلم من مقص الرقيب؟» وقلت له إني أعتبر من يكتب الأعمال الدرامية هو مناضل، وأنا ليست لي القوة·· أنا أناضل في كل الواجهات، كما أن مثل تلك الأعمال يتطلب مجهودا مضنيا، أكثر مما يتطلبه إنتاج ألبوم غنائي، فهل سيكفيني هذا شر الوقت؟ المهم طال النقاش ووصل إلى شيء من الحدة وبعدما افترقنا ووصلت إلى بيتي، اتصل بي المرحوم باطما، وطلب مني ألا أؤاخذه إن كان قد تكلم بعنف وصدر منه ما يغضبني، وشرح لي أنه فقط أراد أن يحمسني لفكرة كتابة المسلسلات· بالطبع أنا فهمت قصده خلال النقاش ولم يغضبني حقا شيء من كلامه· سردت هذه الحكاية القصيرة لكي أبين جانبا من نفسية العربي التي تميل إلى التسامح· ومثل هذه المواقف عشتها معه كثيرا وكان الهاتف غالبا هو مسك ختام نقاشاتنا·
بالعودة إلى بوجميع وإضافة لما صرح به الحاج الدرهم وسأعبر هنا عن جيلي وأقراني، كان من المستحيل بالنسبة لنا في زمن السبعينيات أن نلج غياهب فن الملحون، وأن نسبر أغوار «طلاسم» كناوة ، وأن نفهم بالشكل المستقيم الفن الأمازيغي والحساني، وأن نتفاعل بالشكل الجيد مع إيقاعات الحمدوشي وأقلال والهواري وغيرها من الإيقاعات والأهازيج التي يحفل بها التراب الوطني. لم نكن نتماهى مع فنون التقيتقات واللعابات وحتى الشيخات والعيوط وغيرها من الألوان الفنية الجميلة …
شخصيا وكأقراني من جيلي، كنا نرى أن الملحون هو حكر على فئة معينة، شأنه شأن الفن الأندلسي والغرناطي، لا نفهم أشعاره وتفاصيل مقاماته وأنغامه بل كنا نعتقد ونحن نرى جوقا منهم، أنهم أناس آخرون غيرنا خاصة إذا استحضرنا مشهد الفضاءات العمرانية التي يصورون فيها إبداعهم للتلفزة. منا من كان ينعتهم ب « أصحاب غريبة « في إشارة إلى أننا لا نفهم ما يقدمون، كانت وسائل التوضيح والإفهام في تلك المرحلة شبه منعدمة ولا يفهم تلك الألوان التراثية إلا من يقطن الحاضرة التي تحتضنها، فلتات أحيانا تأتينا عبر المذياع وفي أوقات غير مشجعة لن يتابعها إلا من له إلمام بهذا الموروث. كنا نحس وكأن هذا الموروث يعيش حالة انغلاق وكأن أهله لا يريدون الانفتاح به، هذا الإحساس صراحة أو هذا الحدس لم يكن خاطئا. لما نضجنا قليلا وسافر بنا العمر تأكدت شخصيا من أن بعض أهل هذه الألوان التراثية وأنا هنا أركز على « التبعيض « ، لا يريدون أن يجعلوها مشاعا، فإذا ما اقترب أي شاب منها إلا وانهالت عليه « طاحونة « التشكيك والتيئيس، بدءا بسؤال من تكون ؟ واش لاحك لهادشي ؟ هادشي عندو الصنايعية ديالو، واش غير للي ناض يدخل لهادشي .. وما إلى ذلك من جمل المنع والإقصاء والتبعيد حتى تعتقد بأنك بصدد قلعة خاصة حكر على عائلات وجمعيات بعينها وليست متاحة للجميع، حتى في المهرجانات فإنك لن تجد إلا أسماء معينة لها حق التمتع بالصرف المريح دون أخرى تكابد وتعاند عبثا عساها تسهم في سطوع هذا الموروث .
كناوة كان معظم الناس ينظرون إليها بعين الحذر، اعتبارا منهم أنها تعتمد طقوسا غريبة قريبة من الشعوذة وعالم الجن وما إلى ذلك ، وكان أهلها أيضا منغلقين لا ينظرون بعين الرضا لمن اقترب من عالمهم ذاك..
عموما كان الانكماش هو العنوان الأبرز لموروثنا التراثي، أحيانا بإرادة إعلامية في تلك الفترة وتارة برغبة بعض من يزاولون هذه الفنون الذين أضفوا عليها طابع القداسة ووضعوا شروط الخزيرات لمن أراد أن يقترب منها، هذا الانكماش جعلها محلية محضة أو إقليمية إن توسعت …
في بداية السبعينيات سيظهر من أحياء الهامش ولد اسمه بوجميع، ليس له حتى ثمن ركوب الحافلة ليتنقل بين الحي المحمدي ومسرح الطيب الصديقي، ليقود رفاقه للخشبة(ناس الغيوان) ويلقي علينا دفاتر موروثنا التراثي بما حملت من كناوي وأندلسي وحمدوشي وعيساوي وبدوي وحساني وجبلي وفنون القول وغيرها . ألقى بهذه الدفاتر ومات في ظرف سنتين. نقل لنا موروثا عمر منغلقا لقرون جعله يدخل قلوبنا ويبعث فيه الروح ليقوم للمجد والتحليق مكسرا الإقليمية والمحلية، ما كان حكرا على البادية جعله يدخل للحواضر وما كان محسوبا على الحواضر سافر به للمداشر و «التربة تعانق التربة « واللسان يفهم اللسان والألوان تتداخل مع باقي الألوان، من خلاله غير الشباب رؤِيته للعديد من ألوان هذا الموروث وتشبع بعمق هوية كاد أن يطمسها الاحتلال.


الكاتب : العربي رياض

  

بتاريخ : 28/03/2024