شاهد على الحرب: ذكريات من سوريا ومصر عن حرب 1973

حكى لي المرحوم الجنرال عبد السلام الصفريوي، قائد التجريدة العسكرية المغربية في سوريا، أنه عندما أخبر الملك الحسن الثاني، رحمه الله، في اتصال مع جلالته، بوقوع تدخل أمريكي في حرب أكتوبر، طلب منه الملك تقديم الحجة على ذلك التدخل، فقال له الجنرال الصفريوي: لقد رأينا يا صاحب الجلالة من مرتفعات جبال الجولان الطائرات تقلع من سفن الأسطول الأمريكي الذي كان موجودا في البحر الأبيض المتوسط غير بعيد عن الشواطئ الإسرائيلية.

 

كان اسم العقيد رفيق حلاوة يتردد على الألسنة في مختلف الأوساط المدنية والعسكرية، وعن خيانته التي أجهضت الانتصار في معركة الجولان التي ساهم فيها الجيش المغربي بقسط وافر.
حكى لي ضابط صف أن الجنود المغاربة عندما تجاوزوا الخطوط، وجدوا طريقا لم تكن موجودة في الخرائط التي تسلموها من الجيش السوري، وهذا أمر خطير بالنسبة لجيش يواجه عدوا له.
قبل أن انهي حديثي عن مهمة بعثة التلفزة المغربية إلى سوريا، أود أن أشير إلى شيء مهم ربما انتبه إليه البعض، ويتعلق بإهمال الحديث عن سوريا، بلدا ومجتمعا، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، أهمها أن الذين رتبوا لمهمتنا حصروها في الاهتمام فقط بالتجريدة العسكرية المغربية، ولكوننا لم نتلق أي دعم مالي يتيح لنا التوفر على الوسائل التي يتطلبها العمل الإعلامي، ثم لأن أعضاء البعثة كانوا تقنيين ويصعب إقناعهم بالقيام بأي عمل خارج الإطار الذي حدده المسؤولون عن مهمتنا، والواقع أن ما أنجزناه في سوريا من روبورتاجات هامة حفز الدوائر المسؤولة على إصدار التعليمات لتنتقل بعثتنا إلى مصر لتخليد مساهمة المغرب في الحرب بالجانب المصري كذلك.
عندما وصلنا إلى مطار القاهرة نقلنا مباشرة إلى المنطقة التي كان رجال القوات المسلحة الملكية مرابطين فيها، وهي منطقة الأدبية الواقعة شرق الجانب القاري الإفريقي من مصر، وتبتدئ من مدينة السويس جنوب القناة، وقد وجدنا في استقبالنا والاهتمام بنا مجموعة من الضباط الشباب المغاربة الذين كانوا يتخذون من الكهوف مأوى لإقامتهم في تلك المنطقة الصحراوية القاحلة، وقد وجدناهم في شوق لما يمكن أن ننقل إليهم من أخبار وارتسامات عن إخوانهم في سوريا .
وكما حكى لي ضابط مغربي، فإن قرار تواجد القوات المغربية في تلك المنطقة كان نتيجة اعتبارات استراتيجية، شاركت في اتخاذه القيادتان المصرية والمغربية، وباقتراح من المغاربة، كما قيل لي.
وتقضي تلك الاستراتيجية بأن تتولى القوات المغربية حماية تلك المنطقة ذات الموقع الجغرافي الهام، إذ بحمايته تتم حماية ظهر القاهرة، وقد تبين في ما بعد صواب الاستراتيجية التي اقترحتها القيادة المغربية.
وكما استنتجت فانه بعد أن أصبح الطيران الإسرائيلي مسيطرا على الأجواء، استهدف منطقة الأدبية، وكان الجيش الإسرائيلي قد فتح فجوة في الجبهة حيث تسرب في «الديفرسوار»، وتوغل في الضفة الغربية لقناة السويس، وتمكن من ضرب حصار على الجيش الثالث المصري الذي سبق له أن توغل في المنطقة التي استرجعها في سيناء.
حدث ذلك بعد أن كان الجيش المصري قد حقق ذلك الإنجاز العظيم غير مجرى الأحداث سواء على الصعيد العسكري أو على الصعيد السياسي والدبلوماسي.
فقد نجح في اجتياز قناة السويس وتحطيم التحصينات المحكمة التي أقامها العدو الإسرائيلي، وظن أن لا أحد يمكن له تجاوزها، وتمكن الجيش المصري من التوغل في شبه سيناء بالتزامن مع نشوب معارك برية وجوية تكبد خلالها الطيران الإسرائيلي خسائر جسيمة، واستعادت مصر، لا فقط جزءا من أراضيها، بل أيضا جزءا من كرامتها وهيبتها، بيد أن إسرائيل سرعان ما تداركت بعضا من خسارتها واسترجعت شيئا من قوتها.
ويرجع ذلك، على ما أعتقد، إلى قدرة الجيش الإسرائيلي على التكيف مع الأوضاع التي يواجهها، مضاف إليها المساندة الأمريكية المباشرة أحيانا، كما يرجع إلى التكوين العلمي لهذا الجيش.
وقد سبق للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أن أشار إلى ذلك غداة حرب يونيو 1967.
فقد صرح أمام السفراء العرب الذين زاروه لمواساته بعد الهزيمة النكراء التي لحقت بمصر وبالدول العربية المجاورة لإسرائيل فقال لهم: « لقد أدركت أنني كنت أحاربهم بجيش من الفلاحين، وهم يحاربونني بجيش من العلماء «.
وإنني لأنقل هنا، بأمانة، ما حكاه لي المرحوم المهدي زنطار سفير المغرب في القاهرة آنذاك، ضمن ما حكاه لي عن مساعي الملك الراحل الحسن الثاني للحيلولة دون نشوب حرب يونيو 1967، علما منه، رحمه الله، بما يمكن أن تسفر عنه من مضاعفات وعواقب، وهو المتشبث بالسلام، كما برهن على ذلك في مواجهة الهجمة الشرسة لنظام الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين.

الخيانة التي أجهضت الانتصار
في معركة الجولان

عندما كنت في سوريا بعد توقف الحرب، كان اسم العقيد رفيق حلاوة يتردد على الألسنة في مختلف الأوساط المدنية والعسكرية، وعن خيانته التي أجهضت الانتصار في معركة الجولان التي ساهم فيها الجيش المغربي، بقسط وافر، وهي المساهمة التي جعلته محل تمجيد وتنويه في كل المحافل، وقد سمعنا لدى تنقلنا إلى بيروت تلك الأصداء الطيبة التي كانت تتردد في لبنان، والتي جعلت اللبنانيين الذين التقيناهم يعربون لنا عن التقدير الكبير للجيش المغربي على ما بذله من تضحيات في معركة الجولان.
ومع التحفظ الذي كان ضباط الجيش المغربي يلتزمونه إزاء ما جرى خلال الحرب في سوريا، توجهت إلى أفراد من جنودنا في التجريدة العسكرية المغربية، كما كانت تسمى، ربما لإخفاء عدد أفرادها، وذلك لمعرفة ولو بعض التفاصيل عن معركة الجولان، وقد حكى لي ضابط صف عن خيانة العقيد رفيق حلاوة التي كشف عنها سحب اللواء العسكري الذي كان يقوده في معركة الجولان، وقال لي : لقد كنّا نظن أن لواء رفيق حلاوة لا يزال إلى جانبنا في جبال الجولان، فبعثنا جنودنا للتأكد من وجود الجنود السوريين، فإذا بهم يجدون الجنود الإسرائيليين في الخيام المنصوبة وهم يرقصون ويغنون، فتأكد لدينا أننا أمام خيانة واضحة كادت أن تكون مكلفة بالنسبة لنا، ولكن معرفتنا بتضاريس جبال الجولان ساعدتنا على تجنب سقوط ضحايا من رجالنا، بعد أن فقدنا خلال المعركة العقيد العلام والبعض من رفقائه المجاهدين الذين دفنوا في مقبرة الشهداء بدمشق.
لم نكن قد عرفنا مصير العقيد رفيق حلاوة، كما لم تكن وسائل الإعلام السورية قد تعرضت لما حصل، لكن الدوائر الرسمية السورية نفت ما تردد عن خيانة ذلك الضابط السوري.
ومن جهة أخرى يبدو لي أن الجيش السوري لم يكن في مستوى ما كانت تتطلبه المعركة، إذ حكى لي ضابط صف أن الجنود المغاربة عندما تجاوزوا الخطوط التي كانت تفصل الجولان المحتل عن التراب السوري وجدوا طريقا معبدة بالإسفلت تحيط بالمناطق المحتلة، لم تكن موجودة في الخرائط التي تسلموها من الجيش السوري، وهذا أمر خطير بالنسبة لجيش يواجه عدوا له كما قال لي ضابط مغربي، فهو يكشف عن تقصير المخابرات التي يبدو أنها لم تكن تقوم بمهمتها على أكمل وجه، وكما يتطلبه الوضع، كما أن من الأمور التي لم يكن الجنود المغاربة يستسيغونها، وهم يعتقدون أنهم جاؤوا إلى سوريا لمؤازرة إخوانهم المسلمين، الوجود البارز للكنائس في دمشق، إذ لم يكونوا يعرفون أن في سوريا مسيحيون من أبناء البلد غير أجانب، وبالعدد الذي يتطلب وجود كل تلك الكنائس.

التدخل الأمريكي
لمساعدة إسرائيل

حكى لي المرحوم الجنرال عبد السلام الصفريوي، قائد التجريدة العسكرية المغربية في سوريا، أنه عندما أخبر الملك الحسن الثاني، رحمه الله، في اتصال مع جلالته، بوقوع تدخل أمريكي في حرب أكتوبر، طلب منه الملك تقديم الحجة على ذلك التدخل، فقال له الجنرال الصفريوي: لقد رأينا يا صاحب الجلالة من مرتفعات جبال الجولان الطائرات تقلع من سفن الأسطول الأمريكي الذي كان موجودا في البحر الأبيض المتوسط غير بعيد عن الشواطئ الإسرائيلية.


الكاتب : عبد السلام البوسرغيني

  

بتاريخ : 06/10/2023