مؤتمر الأوقاف والرعاية الصحية في التجربة المغربية والتجارب المقارنة

 

شهدت رحاب كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بفاس أشغال المؤتمر التاسع لفاس حول تاريخ الطب يومي الأربعاء والخميس 24-25 نونبر 2021، في موضوع إسهام الأوقاف في الرعاية الصحية في التجربة المغربية والتجارب المقارنة، جمعا بين استنطاق صفحات التاريخ المشرق، والتعرف على التجارب الرائدة في استيعاب حاجيات المجتمعات، ومواجهة الأوبئة من مثل جائحة كوفيد19 التي عطلت مصالح العالم بأسره، وعجزت أمامها بُنى تحتية كان يعتقد أنها مؤهلة للطوارئ.
انطلق المؤتمر من التذكير بماهية الوقف الإسلامي وأحكامه، ومجالاته، ومقاصده السامية ومنها حفظ الأنفس، وريادته التاريخية في خدمة الرعاية الصحية، وفي محاضرته الافتتاحية “إسهام الوقف في بناء الحضارة المغربية”، تناول رئيس المجلس العلمي بوجدة فضيلة العلامة الشيخ الدكتور مصطفى بنحمزة التجربة التاريخية المغربية الغنية، وما اختزنته من نماذج لا يزال نفع بعضها جاريا عبر قرون، ونبه إلى لزوم تجديد ثقافة الوقف والعمل على توجيه نظر الواقفين إلى تنوع مجالات الوقف تبعا لاحتياجات المجتمع التي تتطور مع الزمن، وأكد على ضرورة الالتفات إلى قطاعات حيوية وعلى رأسها الرعاية الصحية، والسعي لسد الخصاص الماثل، وتجاوز صورة الأوقاف النمطية التي يميل إليها أغلب الواقفين في عصرنا؛ إذ إن الإحسان ـ كما هو معلوم ـ منه القاصر ومنه المتعدي، ولا شك أن المتعدي منه أكثر أثرا، وأعظم أجرا، وضرب مثلا بمحسنة استشارته في بناء مسجد فأشار عليها ببناء مؤسسة تعليمية عليا يكون من مرافقها مسجد، فشرح الله صدرها للأمر وأنجزته.
استهدفت محاور المؤتمر الأربعة تبيان التجربة التاريخية للأوقاف الصحية، والوقوف على نماذج من التطبيقات المعاصرة، وترقية المدخل التشريعي والاقتصادي لتطوير الأوقاف الصحية؛ وعرفت جلسات علمية الست مشاركات مباشرة وبعضها عبر الوسائط؛ استعرض فيها المشاركون تجارب تاريخية وأخرى قائمة الآن، مع التركيز على كسب المسلمين في التأسيس لأوقاف الرعاية الصحية، ودوام الاهتمام بما يحفظ أصولها الوقفية من الترامي والتلاشي، استحضارا لمكانة الوقف الشرعية المتجلية في القواعد والشروط المقررة في تعظيم حرمته، ولم تغفل السَبْق في تنويع مشمولاته التي تعدت خدمة منافع الإنسان المباشرة إلى حاجات الحيوان والطير والبيئة والعلوم والعمران.
لقد تناولت بعض العروض أفكارا مبدعة همت المأسسة والتنظيم والتقنين والتوعية، والانفتاح على التجارب العالمية، التي قطعت أشواطا في حماية الأوقاف وتنويع مجالاتها، وضمان استدامتها، وإدخال أساليب الإدارة الحديثة في تدبيرها، ووضع معايير محاسباتية دقيقة، تحفظ الأصول وتوسع المصادر، وتضبط آليات الصرف، مع التخطيط للنماء المتواصل، حتى تشمل آثاره ما لم يكن يتصوره الواقف أحيانا من حدود الانتفاع بأصل الموقوف، إعمالا لمبدأ مراعاة مقصد الواقف عند تعذر تنزيل شرطه.
ومن التجارب الرائدة تجربة الصناديق الوقفية التي ابتكرتها الأمانة العامة للأوقاف بالكويت؛ حيث قامت فلسفتها على محاولة تلبية احتياجات الأفراد والفئات المجتمعية كافة، وعرضها على الواقفين ليُسْهم كل محسن في ما يناسبه من مجالات التبرع والعطاء، وما يلائمه من مشاريع الصناديق الوقفية المتخصصة، التي تدار بطرق احترافية، تتيح للواقف فردا كان أو مؤسسة الفرصة لمواكبة المجال المختار من قبله، فيشهد ثمرة مساهماته، في تعاون تام مع الجهات الرسمية الشريكة.
وعلى العموم فالتجربة الكويتية قد تعدى نفعها المحلي إلى العالمي من خلال هيئات وجمعيات متخصصة في مجالات مختلفة، قادها رواد سباقون في إفريقيا وآسيا وغيرهما، وبهذا استحقت الكويت شرف التكليف بمهمة تنسيق العمل الخيري في العالم، وامتازت تجربتها في ما أرى بنقاط قوة نأمل أن تتسع دائرة الانتفاع بها من مثل:
التنوع في العرض إجابة للحاجيات المجتمعية المحلية والدولية المتجددة.
اعتماد التخصص الدقيق حد الكفاية.
الحكامة الإدارية والمالية وفق معايير ضابطة واضحة.
التكامل والتنسيق بين أدوار ووظائف الجهات الرسمية وجمعيات المجتمع.
تبني التخطيط وإدارة المشاريع والتطلع الدائم للتطوير.
العناية بالاستفادة من التجارب العالمية فضلا عن الكسب التاريخي الإسلامي.
وفي نفس السياق انخرطت التجربتان السعودية والإماراتية في جهود الحصر والإحصاء للموجود من الأوقاف بغية حمايته وتثمينه، واستقطاب أصول وقفية جديدة من عقارات ونقود، وسلكتا نهج التجويد والتطوير، عبر الاستثمار والتنمية، واعتماد آليات التشغيل الفعال، وتوسيع المناشط، وتيسير الإسهام الطوعي في المشروعات الوقفية ففسحت المجال لجميع أهل الخير من نخبة المجتمع وعامته، فضلا عن مؤسساته.
وأهم ما يميزهما اعتبار القطاع الوقفي بما له من أبعاد شرعية قطاعا مستقلا عن ميزانية الدولة التي عهدت بتدبيره ورعايته إلى مؤسسات مستقلة مع توسيع صلاحياتها في تأسيس وإنشاء الأوقاف ورعايتها وتطوير أصولها، وتنويع خدماتها بما يواكب تطور المجتمع وتنوع احتياجاته؛ من مثل الأوقاف العلمية، والأوقاف الصحية، وعلاج الآفات المجتمعية؛ والأوقاف على مواكبة مستجدات الحياة المعاصرة على نحو يُوصل الخير للناس ويرفع عن الإصر والأغلال المترتبة عن العيش في عالم مفتوح، أوشكت فيه الخصوصيات على الاندثار.
لا شك أن مجرد الحديث عن أوقاف الرعاية الصحية تاريخيا وواقعا، والاطلاع على التجارب الرائدة محليا وعالميا، كفيل برد الاعتبار لمكانة الوقف وتعزيز مركزه القانوني والشرعي والمجتمعي إذ الثابت أن أنظمة الدولة الحديثة لا يمكنها الوفاء بكل الاحتياجات، كما لا يمكنها الاستغناء عن إرفاد المجتمع وإسناده من قبل المحسنين الواقفين من أبنائه عبر الأجيال.
إن أهم ما يسجل بافتخار لكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بفاس عنايتها بتاريخ الطب منذ المؤتمر الأول، كيف لا وقد صدرت في القرويين بفاس أول شهادة في الطب قبل جامعات العالم، وفاس نفسها قامت على الوقف، ولذلك كان اختيار الموضوع موفقا، وكانت اللجنة العلمية متألقة بوضع محاور متنوعة ومتكاملة تخدم تناول الموضوع من قبل أهل العلم والاختصاص والممارسة الميدانية لإدارة الأوقاف.
وفي ما يخص واقعنا المحلي نسجل الحاجة إلى تأهيل المنظومة القانونية بالقطع مع منطق الوصاية السلبية، والتحكم القبلي، واستشراف آفاق المستقبل الرحبة، والتوجه إلى بناء أُطر قانونية مرنة مستوعبة، تواكب تطور احتياجات المجتمع، وتُيَسر سبل إسهام أفراده ومؤسساته في إنشاء أوقاف تحقق المقاصد الشرعية في الحياة، وتضمن تماسك المجتمع وتعزز روابطه، وتحيي الدور التاريخي المشرق، دون ارتهان لأمجاده، وذلك بالعمل الدؤوب على مشاريع وبرامج تستهدف بناء الوعي بثقافة الوقف، وترتيب الأولويات، واعتماد التخطيط والتدبير العاصم من استنزاف الموارد والأصول، والحريص على الإضافات النوعية، والمحقق لمعنى قاعدة : “التقدم = الاحتفاظ + التجاوز”.
ومع تزايد حاجيات المجتمع في الميدان الصحي وغيره، وثبوت مواطن خصاص كثيرة، تتأكد مسؤولية التعجيل بتطوير منظومة القوانين والتشريعات المتعلقة بالوقف في بلدنا، انطلاقا من المبادئ والقواعد الشرعية، وحفز الهمم للعطاء والبذل، ولفت الأنظار إلى واجب سد الحاجات العلمية المتجددة، وترقية الأوضاع الاجتماعية المهملة؛ فمن غير المعقول في عصرنا هذا حصر أو تقييد أشكال التطوع والوقف في قوالب جامدة، لا تراعي الكسب الإنساني فضلا عن تجارب أسلافنا التاريخية غير المحدودة في ميدان الوقف.
إن الأمل معقود بإذن الله تعالى على تكثيف جهود الخيرين من العلماء والباحثين لتوسيع دائرة الاهتمام بالوقف، من خلال الكتابة والمدارسة وعقد لقاءات علمية وثقافية تخص الوقف، تستهدف ترغيب الناس فيه ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، والعمل على رصد الحاجات المجتمعية بطرق علمية، وتيسير سبل التبرع، ووضع الضمانات القانونية المنظمة للتدبير الجيد، مع ربط المحاسبة بالمسؤولية، وتشجيع تأسيس الهيئات والجمعيات المتخصصة، وإرفادها بأصول عقارية ونقدية والعناية بالاستثمار، ووضع شروط واقعية للنماء المتواصل للموارد حتى تفي بالغرض في كل مجال.
وأخيرا لا يفوتني التنويه بما راج في جلساته من علم ومعرفة، وغيرة عالية، ورغبة أكيدة، تتغيى الانتفاع بالتراكم المعرفي، من أجل النهوض بأوضاع المجتمع، والإسهام في غرس فسائل استئناف دورة حضارية جديدة.
(*) عدل بالعيون


الكاتب : د. محمد سالم إنجيه(*)

  

بتاريخ : 29/11/2021