مثقفون عرب يحضنون ألم المغرب بقلب كبير

الإبداع قيمة إنسانية مشتركة، ولأنه كذلك فإنه ينتصر دوما للمشترك، للقيم، للإنسان خاصة في زمن الأزمات والشدائد.
والمغرب الثقافي الذي سعى دوما إلى تعزيز هذا المشترك مع كل المثقفين والكتاب في العالم، وانفتح على ثقافاتهم وانصهر معها في بوتقة كل ما هو إنساني، لم يكن غريبا اليوم أن تتقاطر على كتابه ومبدعيه العديد من رسائل التضامن والمواساة جراء الزلزال المدمر لـ 8 شتنبر الجاري، من المثقفين والكتاب العرب.
هكذا تقاطرت الرسائل التضامنية على بيت الشعر في المغرب وعلى مبدعين وكتاب وشعراء كالشاعر حسن نجمي والروائي أحمد المديني،والقاص أنيس الرافعي…
فشكرا لكل من استحضر عمق المغرب الثقافي وعمق المغاربة الإنساني في هذه اللحظات العصيبة.

 

إلى أصدقائي في المغرب وليبيا

الشاعر اليمني أحمد الفَلَاحِي

قدِرتُ خلال عيشي في المغرب أن أتعرف على مغرب رائع، وأعيش فيه لفترة ليست بالقصيرة. بالفعل، كانت تلك فترة مميزة جدا في حياتي، حيث اندمجت مع نمط حياة هذا البلد وتعلمت العديد من الدروس.
عشت في مدينة الرباط، وكانت لديّ الفرصة لزيارة معظم مدن المملكة المغربية. استمتعت بتجربة السفر عبر الأطلس الجبلي واستكشاف جماله الطبيعي. من الشواطئ الرملية الذهبية في أكادير إلى طنجة على الساحل الشمالي إلى شفشاون والحسيمة والناضور وأسفي وتطوان إلى جرسيف وفاس إلى الدار البيضاء ومراكش وميسور ومكناس، كانت اللحظات التي قضيتها في استكشاف هذا البلد تعطيني إحساسا بالتنوع الرائع للمغرب.
ولكن أكثر ما أذهلني في المغرب هو الكرم والضيافة التي وجدتها في قلوب الناس. كما لو أن الشعب المغربي يحمل مفتاحا سريا إلى الضيافة والتآلف الفوري مع القادمين. كانوا دائما على استعداد للمساعدة وتقديم الضيافة والعون لكل وافد أحبهم.
تعرفت على أصدقاء رائعين من مدن مختلفة في المغرب، وكنت جزءا من ملتقيات وفعاليات محلية ودولية. ذلك جعلني أشعر بأنني ليس فقط زائرا، بل أحد أفراد هذه البلد. تبادلت القصص والثقافات وأكثر من ذلك، تعلمت الكثير عن قيم المغرب وتقاليده.
يمكن للمغرب أن يأسر قلب أي زائر. تعلمت أيضا عن التراث الثقافي الغني والفن المعماري الرائع. لكن الشيء الأكثر إلهاما في المغرب هو الشعب الودود والمضياف. كانت تلك اللحظات التي قضيتها مع الأصدقاء المغاربة والوافدين إلى هذا البلد لا تنسى.
يواجه المغرب اليوم تحديات كثيرة تعرض لها جراء الزلزال العظيم والذي كان صدمة كبيرة، حيث خسرنا الأبرياء وشهدنا دمارا كبيرا. لكن ما يلهمني هو روح التعاون والبناء التي أبداها الشعب المغربي في مواجهة هذه الكارثة.
ومع مشاعر التعاطف التي حملتها من تلك الفترة في المغرب،أجد نفسي ملتزما بدعمهم وتقديم يد العون في مواجهة التحديات الصعبة التي يواجهونها قلبا وسيفا وروحا.
وعندما نتوجه نحو ليبيا، نجد أنها مرت بلحظات صعبة أيضا. الحروب والإعصار الذي ضربها بقسوة، وألحق خسائر فادحة بالسكان والبنية التحتية. تشعر وكأن قلبك ينزف عندما تسمع عن معاناة الليبيين.
ليبيا تحمل وجعا كبيرا، ونحن هنا لنقدم تعازينا وتضامننا. نأمل أن يجد الليبيون القوة لبناء وطن جديد يسوده السلام والاستقرار.
فلنكن جميعا على استعداد لمساعدة المغرب وليبيا في هذه اللحظات الصعبة، ونعمل معا من أجل مستقبل أفضل.

 

 

شهادة حب


الروائي والقاص التونسي
حسونة المصباحي

لا أدري كيف أكتب عن المآسي والكوارث لأنني عشت الكثير منها، وقد أعيش ما هو أكثر منها فظاعة ووحشية في ما تبقى من عمري الذي لم يعد بعيدا عن ظلمة الأبدية…
لا أدري…
هكذا أنا منذ بدأت أعي العالم من حولي…دائما أجد صعوبة كبيرة في ترويض الكلمات وتطويعها للتعبير عن و جعي، وعن ألمي لفقدان الأب أو الأم أو الصديق أو الحبيبة التي لها عينا بقرة في مرج فسيح، أو لرثاء طفل قذفت به رياح هجرات المجاعات والحروب والمظالم إلى شاطئ مقفر شمال المتوسط، أو امرأة قتلها الحر والعطش في صحراء خالت أنها تُفتح على الجنة الموعودة، أو طفلة صغيرة نسفتها قذيفة وهي تلعب أمام بيتها في قرية فلسطينية، أو شاعر شنقوه في بلاد الأفغان بسبب قصيدة حب، أو بؤساء قضْوا تحت أنقاض بناية انهارت على رؤوسهم وهم نائمون حالمين بأن الله سينعمُ عليهم برحمته إن هم واظبوا على الصلاة له أثناء الليل وأطراف النهار…
لا أدري…
أخي المنجي عمل نجارا في درنة الليبية في سنوات شبابه…
ينظر ذاهلا إلى الخراب الذي خلفه الإعصار اللعين، ومثلي تخونه الكلمات للتعبير عن الفاجعة التي من المؤكد
أنها قتلت كثيرين من الذين عاشرهم وصنع لهم أسرة الزواج وطاولات الأكل وأبواب ونوافذ بيوتهم، وبينهم عاش كما لو أنه منهم وإليهم…
ومثلما في حالاتي السابقة، أنا الآن أبكم أمام كارثة زلزال المغرب…
المغرب الذي أحب… المغرب الذي كان ولا يزال لي جناحا ثانيا يؤكد هويتي المغاربية، ويمنحها أبعادا تفتح أمامي عوالم بهيجة لا يعرف سرها غيري أنا الذي جبت تلك البلاد طولا وعرضا، وأحببت أهلها في المدن وفي الأرياف، وفي الصحارى وعلى ضفاف المتوسط أو الأطلسي، وصادقت شعراءها وأدباءها ومفكريها وفنانيها، وعشقت لهجاتها المتعددة والمختلفة وأطربتني أغانيها و»عيطاتها» وسحرتني أسواقها المعطرة بروائح أراضيها الطيبة المعطاء، وتعلمت أن أقول «واخا حبيبتي « في حانات طنجة، وأن أروض جنوني في «ساحة جامع الفنا»، وأن أفك ألغاز تاريخ الملوك في مراكش وفاس والرباط، وأن أمشي على بساط من الريح في آخر الليل في نهاية سهرات أصيلة، وأن أتغزل بجمال الصحراء في العيون وفي الداخلة، وأن أغني «وين غادي بيا خويا وين غادي بيا» في قطار سريع يحملني إلى الدار البيضاء…
أيها المغرب البديع… خانتك الطبيعة أكثر من مرة…
إلاّ أن عشاقك وأحباءك لم يخونوك أبدا…
سلاما على أرواح شهداء الطبيعة الغاضبة…

 

 

أعرف الروح المغربية

أحمد الشهاوي

مملكةُ المغربُ التي أعرفُ وأحبُّ، أرضٌ ثابتةٌ لا ترتجُّ ولا تهتزُّ، بما تحملُ من خيرٍ  تجُودُ به على أهلها والآتين إليها  معًا، قادرةٌ طَوال الوقت على الولادة والمنْح، وما وقع فيها من زلزالٍ كان مجرَّد ضَّغط تراكَمَ عبر الشُقوق الجيولوجيَّة ، كأنه كان هناك نشاطٌ بركانيٌّ، زحزَحَ الصُّخور التي مادت من تحت الأنقياء المغاربة .
هو امتحانٌ قاسٍ للمُحبِّين من أهلنا في المغرب، وليس هوْلًا، أو بليَّةً، أو مُصيبةً شديدةً حلَّت فوق الرؤوس التي لا تعرفُ الانحناء. المغرب لا يحتاجُ إلى مُساعدةٍ من أحدٍ ، لكنه يحتاجُ فقط إلى قلوبٍ بيضاءَ بعيدة عن الغِلظة والجَفاء، تسعى وتدعمُ وتربتُ على الأرواحِ الآمنة .
فمن هوْل المُفاجأة التي هي حدَثٌ جللٌ، يتوقَّفُ العقلُ فيه  عن التفكير، ولا يقدرُ على الكتابةِ أو المُواساة .
أعرفُ الرُّوح المغربية كما تعرفُ نفسي خريطتي؛ ولذا عندما تَزَلْزَلَتِ الأَرْضُ المغربيةُ، اهْتَزَّتْ قُلُوبُ المحبين، ورَجَفَتْ وَارْتَعَشَتْ من فرط التأثُّر بعد مُعاينةِ الفَقْد والخُسران .
إنَّ المغرب أرضُ «الزُّلاَزِلُ» – أي  الماءُ العذبُ الصافي السَّلِسُ – ، لا «الزَّلازِلُ» أي الهِزَّات الأرضيّة الطبيعيّة التي تنشأ تحت سطح الأرض .
سيبقى المغرب القبلةُ التي يتوجَّهُ إليها العارفون بمكانة وقدر بلد الرفعةِ والذَّوقِ والخَلْقِ والابتكار .

 

من المغرب إلى ليبيا .. خيمة الحزن

الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد:

ما جرى في المغرب من زلزال ثم ليبيا من إعصار، جعل الحزن ينصب خيمته حولي. للمغرب في روحي تاريخ يتسع من المحبة ويملأ الفضاء، في الإسكندرية تاريخ للمغاربة في التجارة والوكالات التجارية جعل لهم شارعا معروفا بشارع المغاربة. وغير الشارع فكل احتفالاتنا بموالد أولياء الله في الإسكندرية تجعلك تعرف بقليل من القراءة أن أكثرهم وفدوا إلى الإسكندرية من المغرب والأندلس، والبقاء بالمدينة العظيمة التي كانت ملاذا للصوفية في كل عصور العرب والمسلمين سنة وشيعة في مصر. الإسكندرية المعاكسة للحكّام على طول التاريخ جعلت للصوفية أرضا فجعلوا لها فضاء من الإنسانية والحب. قد تجد وليّا في الإسكندرية من أصول مصرية هو سيدي القباري ووليا من الصحابة هو سيدي أبو الدرداء، أو كما يقول أهل الإسكندرية «ابو الدرادر»!. مولد سيدي أبو العباس المرسي أو سيدي ياقوت أو غيرهما، علامات لا تنتهي من المحبة في الإسكندرية، وتمتد لتشمل مصر كلها، ففي طنطا مقام السيد البدوي وفي «قنا» مقام سيدي عبد الرحيم القناوي وهكذا يطول الحديث. المغرب مشت معي منذ طفولتي في الموالد والشوارع، ومع القراءة عرفت الكثير عنها، ثم كانت النقلة الكبرى بعد أن نشرت شيئا من أعمالي، وتلقيت دعوات من مثقفي المغرب لزيارة بلادهم والمشاركة في مؤتمرات ومهرجانات ثقافية. عرفت الكثير منهم يطول الحديث عن أسمائهم، وعرفت إسهاماتهم العظيمة في الأدب والنقد والفكر، وزرت بلادا لا أنساها مثل طنجة وأصيلا والرباط والدار البيضاء وأغادير وفاس ومكناس وبلدا صغير رائعا هو بني ملال، ولي فيها كلها ذكريات حفلت بها كتبي المختلفة.
كانت أول زيارة في بداية التسعينات وعدت لأكتب مقالا بعنوان «كيف كسب الملوك وخسر الرؤساء» بعد ما شاهدت في المغرب كيف يحافظون على تراثهم الحضاري، فكرا وبناء وحدائق وأشجارا وشواطئ وطرقا، وكيف كان رؤساء الجمهوريات طريقا للديكتاتورية تنسف ما قبلها من جمال وثقافة مادية وروحية. لا أريد أن أستمر لأجعلك تنظر إلى حال الجمهوريات الآن وآفة الحكم العسكري. جاء زلزال المغرب فنصب خيمة الحزن حولي، ولم يكن الأول في تاريخها للأسف. سبقه أكثر من زلزال أشهرها زلزال أغادير عام 1960 الذي قضي على كل بنايات المدينة وراح ضحيته أكثر من 15 ألفا، غير الجرحى.
من مفارقات الزمن أني حين زرت أغادير منذ حوالي خمسة عشر عاما وجدت مدينة جديدة رائعة، بينها مبنى قديم من طابق واحد مغلق. سألت عنه فقالوا إنه كان قاعة سينما لم يهدمها الزلزال فحافظوا عليه ذكرى رغم أنه مغلق!.
تمشي في شوارع المغرب فتجد من يسألك: «مصري؟»، ترد بالإيجاب فتكون محل كرم بالغ منهم في المقاهي والمطاعم، ويسألونك عن أبو جريشة وعادل إمام وفريد شوقي حتى محمد هنيدي وغيرهم.
من الطرائف أني كنت يوما في ساحة الفنا في مراكش، وهي الساحة التي تحفل بفنون المدن والقرى والصحراء، فإذا بفرقة موسيقية شعبية يسألني مطربها: مصري؟ وكانت معي زوجتي فقالت نعم، فأشار للفرقة أن تغني لنا وبدأت تعزف ويغني هو « كتاب حياتي ياعين ماشفت زيّه كتاب..الفرح فيه ساعتين والباقي كله عذاب» ونحن نضحك ونغني معه ونصفق. مرت السنون ونصب الحزن خيمته حولي، ثم جاء إعصار درنة في ليبيا ليؤكده فما أكثر روابطنا أهل الإسكندرية بالشعب الليبي ويحتاج هذا حديثا آخر، فكم لنا من روابط بكتابها ومثقفيها. لم يسعفني الوقت لأزيح الحزن عني، وأتذكر من غنى لنا «كتاب حياتي ياعين ماشفت زيه كتاب»!


بتاريخ : 19/09/2023