“مجتمع اللاَّتلامُسَ”: سيلفي لعالم آيل للانهيار» لفرانسوا سالتييل -16- الفصل IV: الحب الافتراضي: مغازلة الوهم

:

داخل مجتمع اللاتلامس، لم تعد نظرة العشق الأولى موضوع تبادل في الشارع، أو داخل حانة، أو في عربة من عربات ميترو الأنفاق. ولكن خلف شاشة هاتف «ذكي».الاتصال الأول، هو ذاك الذي يجريه إبهامنا مقررا إذا ما كان السيلفي أو الصورة الذين اختارهما الشخص يستحقان أن يحتفظ بهما، أوّلا، داخل متاهات الأنترنت. اللوغاريتمات الخاصة بتطبيقات «المواعدة/Dating» هي التي تحدد، داخل مجتمع اللاتلامس، من أستطيع مواعدته مع وعد بالحياد، كاذب.
داخل مجتمع اللاتلامس، تبقى الرغبة في تبادل جسدي محل منافسةٍ مع أشكال عديدة من الترفيه (نيتفلكس، ألعاب الفيديو، أفلام إباحية … الخ)، والتي تدفع بالشخص إلى البقاء منزويا داخل منزله. عزلة تندرج، بشكل مفارق، داخل اتصال فائق لافت. في مجتمع اللاتلامس، الروبوتات المحادثاتية والآلات الناطقة هي التي تتسلل إلى الفضاء الحميمي لتعوض، قدر المستطاع، العزلة الاجتماعية التي يعانيها كبار السن الذين هم في حاجة إلى الحب، أكثر من جيل الألفية الملسوع بلهيب العلاقات «داخل الحياة الفعلية، الحقيقية/Inreal Life». داخل مجتمع اللاتلامس، الكائنات الافتراضية هي التي تتولى استثارة المشاعر والعواطف لدى مرهفي الحس. هل تستطيع التكنولوجيات الجديدة، داخل مجتمع اللاتلامس، أن تعالج هذه المعادلة: كيف يمكننا أن نتوالد دون أن نتلامس؟

كيف تجعل العازب مثيرا؟
اجتزت، خلال سنة 2004، منعطفا في حياتي المهنية كصحفي ضمن هيئة تحرير برنامج «Culture Pub». كنت أبلغ من العمر أربعا وعشرين سنة، حينما اقترحني منتج البرنامج لإنجاز أول أشرطتي الوثائقية، والذي كانت مدته 52 دقيقة لفائدة القناة الخامسة (France 5). تحدّ حقيقي لأنني، حتى ذلك العهد، لم أكن أنجزت سوى تحقيقات تتراوح مدتها ما بين 5 و10 دقائق.
كانت إمكانية إنجاز عمل صحفي مطول زمن جنسٍ نبيلٍ كالشريط الوثائقي، بالنسبة إلي، تجربة مربكة ومشوقة على حد سواء. ضاعفت حجم الضغط النفسي، الموضوعة المطروحة للمعالجة، «نمط تسوق العزاب/Le Marketing des Celibataires». موضوع يحاذي علم الاجتماع والماركوتينغ. يبدو التساؤل، للوهلة الأولى، تافها، خصوصا إذا ما توقفنا عند حدود المقاربة «الاستهلاكية» البسيطة. لكن الموضوعة تكشف، في الواقع، ومع ظهور مواقع رقمية جديدة للمواعدة، تطورا اجتماعيا فريدا.
انطلقت، إذن، باحثا عن الخبراء الذين يحللون هذه السوق الجديدة الآخذة في الازدهار (صحون وأطباق أكلات للشخص المفرد في المحلات التجارية، أو السفر بصيغة المفرد…. الخ)،وعلى الأخص، عن عزاب يقبلون الإدلاء بشهاداتهم. نحن، هنا، في البدايات الأولى لموجة العزوبة «المختارة»، الطوعية، والتي أعقبت العزوبة «المفروضة». ثمة تحول في الرؤية إلى أولئك الذين يقررون العيش وحيدين، لم يعودوا في عداد الخاسرين ولا في عداد غير القادرين على نسج علاقات دائمة أو تكوين أسرة. بكل تأكيد، يظل النموذج العائلي مُتَمَلِّكًا لضغطه الاجتماعي الراسخ، لكنه بدأ يخبو، بعض الشيء، لفائدة نموذج حياتي آخر شرع في الظهور، ذاك الخاص بالرغبة العميقة في أن يعيش الشخص حياته كما يشاء، دونما ضغوط ومضاعفا (أوْلَا) مغامراته العاطفية. شرع العزاب، إذن، وخصوصا النساء أكثر من 30 سنة، في قبول العيش بمفردهم ممهلين الزمن إلى حين العثور، يوما ما، على «الحب الأكبر». إنها صورة «بريدجت جونز/Bridget Jones»، العازبة اللندنية التي حولت خيباتها العاطفية إلى سخرية نقدية ذاتية/Autodérision، وذلك من خلال فيلم مستوحى من رواية، «يوميات بريدجت جونز/Le journal de Bridget Jones»، الصادرة سنة 1996، والتي رأت النور، سينمائيا، سنة2001. لدينا، هنا، في فرنسا، إنها كلاراشيلر/ Clarasheller، البطلة العازبة الأولى التي تستولي على أكبر نسبة من المشاهدة وقت الذروة على القناة الثانية (France 2). كان لزاما، إذن، أن ننتظر إلى غاية سنة 2004 كي نرى امرأة ثلاثينية عازبة تضطلع بالدور الرئيس في مسلسل تلفزيوني يعرض لحظة ارتفاع نسبة المشاهدة.
في هذه المرحلة، تحديدا، خرجت إلى حيز الوجود مواقع المواعدة على نطاق واسع، وظهرت خدمات مغايرة للصور السيئة التي احتفظت بها الرسائل البذيئة «للمنيتيل الوردي/Minitel Rose». منصات جديدة للقاءات العاطفية لا تتردد في تكثيف إعلانها الإشهاري على التلفزة، أو ملصقاتها في شوارع المدن بعيدا عن الإعلانات الشبقية القصيرة المتوارية في عمق الجرائد. إذا كان العزاب قد أخفوا، ولزمن طويل، انخراطهم في هذه المواقع مخافة الظهور بمظهر «النوع الردئ»، فالأمر، اليوم، يختلف، تماما، عما كان عليه سابقا، ليس ثمة داع للتخوف من العيش، على هذا النحو، ملء السمع والبصر.
سنة 2001 في فرنسا، حدثت انعطافة ملحوظة مع مجيء موقع المواعدة «ميتيك/Meetic». حينما استجوبت مؤسسه «مارك سيمونسيني/Marc Simoncini»، سنة 2004، بدا أن الأمر لم يمكن إلا في المراحل الأولى لهذا الموقع الذي واصل تألقه المتصاعد. النساء المستهدف الرئيس، أساسا، سعيا وراء تصفح إمكانات تحريرهن – لمنحهن منصة مؤمنة، حيث يتمكن من الأخذ بزمام حياتهن ومصيرهن وعلاقاتهن. في الشريط التلفزي القصير، «تغيير القواعد/Change The Rules»، تعرض العلامة التجارية نساء مستقلات وطموحات يتحملن مسؤولية حريتهن الجنسية. هن اللواتي يبادرن إلى المغازلة والتقبيل ويعشن مغامرة مسائية مع شريك، مستعدات لأن ينسين اسمه ما إن يحل اليوم الموالي، بل ويطردن هذا الشريك الذي لا يحسن إلا التمدد فوق أريكة المنزل! «تغيير القواعد»، بالنسبة إلى موقع «ميتيك/ Meetic»، هو أن تتيح للنساء التمتع بنفس الحرية الجنسية التي للرجال، ومضاعفة المغامرات العاطفية يتعين ألا تجعل منهن، بعد، «وقحات»، ولكن فاتنات بإغراء لا يقاوم، على غرار صيغة نسوية «للدون جوان». ذاك هو الخطاب الإشهاري الذي لا يصمد، دوما، أمام بعض الكليشهيات، أو أمام التحيز الجنساني المتجذر داخل مجتمعنا. واقع اجتماعي يتضح، على الأقل، مع طول أمد السنوات الدراسية، والذي يؤخر موعد الزواج. العزاب، إذن، ساكنة في تصاعد، من الأليف استهدافها في العمق، وستعثر هذه الفئة على أدوات رقمية جديدة، دوما، أكثر نجاعة، معززة نمطا آخر من الحياة: العلاقات الجنسية والعاطفية.


الكاتب : محمد الشنقيطي و عبد الإله الهادفي

  

بتاريخ : 29/03/2024