وقت مستقطع من الحرب (5) : محمد صوف: الحرب تلتفت إلينا !

هناك من يعتبر «الحرب محاولة متأخرة للحياة». غير أن آخرين، وهم كُثْرٌ، يرون أنها خزان كبير للوجع. وبين هذا الموقف وذاك، يشتغل الأدب على الحرب بتأنّ بارع وهدوء مخاتل، ويضعنا على الطريق السريع للمتع الطائشة، إلى درجة نوع من الإشباع السام. في الحرب، تمتلئ النصوص الأدبية بالجثث والخرائب والدماء، كما يحتشد الورق بالقنابل المتعددة الصنع، وحُفَر الحرق، واليورانيوم المنضب، وأيضا بالآثار الفورية للعمى الهائل. كل الحواس تنتبه حين يضغط الموتُ بكل عبثيته على الممرات والجسور والأبواب، وحين تصبح الحشرجة «علامة تجارية». صحيح أن الحرب يصنعها، عادةً، مغامرون أو رماةُ نرد. غير أن السؤال المطروح هنا هو: «هل يمكن الذهاب إلى المستقبل بدون حرب؟»، وهل بوسع الأدب أن ينمو خارج الدماء الهائجة لما يمكن أن نسميه «لحظة الاشتباك مع العدم»؟ الحرب، أيضا، شرخ عظيم في الكينونة، في الشرط الوجودي، كما أن «الضرورة» تجعل منها معضلة أخلاقية مكشوفة، لا يمكن تجاوزها فكريا. في هذه الشهادات عن الحرب، مع الكتاب والمبدعين والمثقفين والفنانين، نشعر بأن إشعاعاتها لا تستثني أحدا، سواء أكان في قلبها أم على هامشها، قريبا أم بعيدا، عسكريا أم مدنيا، مناصرا أم معارضا، حيا أم ميتا. نشعر بالدخان والغبار يصل إلى الحلق، ونقاسي شح التموين، ونحس بانقطاع الماء والكهرباء، ونسمع لعلعة سيارات الإسعاف، وتتخاطر في أحلامنا الدبابات والمقنبلات والصواريخ المضادة للطائرات، وكل الخرائط تبدأ في الفركلة داخل رادارات عسكرية، تتهددها بالخراب المبين..

هل عرفت البشرية في تاريخها يوما واحدا دون حرب؟ يوم واحد فقط.. الحرب تلازم الإنسان رغم أنها لا تندلع بين أشخاص. لا يوجد شخص يشن حربا على شخص آخر رغم الاختلاف في الدين واللغة والعرق.
ومع ذلك لعلها مكون جيني في الكائن البشري .
هي، أي الحرب، مرض سياسي. ولعلها شكل من أشكال الحب المتنوع الوجوه. حب الهيمنة. حب النفوذ. بلد يعشق خيرات بلد آخر، فيسعى إلى حيازتها بكل ما تملك يمينه. بلد يحب دينا. مذهبا. نظرية يرغب في أن يتبناها الآخر . يسعى إلى ذلك بالقول ثم باستعراض العضلات. وبين هذه وذاك دمار. خراب. يتامى. أرامل. ثكلى. معطوبون .
هي إذن، علاقة توتر بين الأشياء لا الأفراد. رئيس يشن الحرب على رئيس رغم أنهما كشخصين لا عداوة بينهما. بل حتى تعاطف .
هي إذن ضعف جلي للإنسان أمام أهوائه. خضوع لها حتى العبودية. ومع ذلك، فكل محارب يعتبر حربه عادلة. وبهذا العدل تتوقف الأخلاق. يصيبها شلل لدرجة اعتبار عدم خوض الحرب عارا. ألم يقل تشرتشل «إما الحرب وإما العار». وتشرتشل بالمناسبة فاز سنة 1953 بجائزة نوبل للآداب عندما ألف عن الحرب، واعتبر ما كتب إبداعا أدبيا يستحق أن يعترف به.
كلما دققت في أسباب الحرب تجد أن لها شريانا واحدا. المال. والمسؤول عنها هو من يعلنها. لا علاقة له بمن ينفذ ما دام هناك أشخاص يمنحهم بذلة وسلاحا، ويجز به في ساحة، ويقول له دافع عن نفسك أولا .
ومن يعلن الحرب يسقط الأطماع من ادعاءاته. يمارس الكذب السياسي، فيقول إنه يدافع عن الدين أو الوطن.. اللازمتان في جل الحروب.
الحرب تلازم الانسان (الدولة) ضدا على دعوته إلى السلم. فالبوذية ساندت حروبا خاضتها بلدانها، بل و شاركت فيها حتى في اليابان والصين، وحتى بورما.
أما المثقفون .
ككل أفراد الأمة، يكرهون الحرب كرها تعجز الكلمات عن وصفه. وعندما يتم تجنيدهم لا تشفع لهم ثقافتهم، ولا تنزع عنهم الخوذات والأحذية العسكرية. هل أحب ستاندال النزال؟ ومع ذلك عرف عنه كونه محاربا شرسا عندما نودي عليه إلى المعركة. وهذا تولستوي في «الحرب والسلام» يدين الحرب، لكنه يقف إلى جانب بلده ويمجد عظمة جنودها.
آبولينير. باربوس. سيلين. سندرارس. فورنييه. على سبيل المثال، لا الحصر. قاتلوا وحصلوا على مراتب رغما عن أقلامهم، وآمنوا عند الضرورة أن السيف أصدق أنباء من القلم.
هل يمكن تجاهل الحرب؟
هل يمكنك أن تتجاهل سديما يحيط بك وبندقة مسددة إلى صدرك؟
الحرب أينما كانت تقض المضجع. تحدث شروخا في النفس، حتى إذا ادعينا أننا لا نلتفت إليها. لكنها هي تلتفت إلينا. نجدها في خبزنا وزيتنا ومائنا وبنزيننا وغازنا. فكيف نتجاهلها إذن؟
ولعلها تنحت وجودها حتى في حروفنا. شئنا أم أبينا . تنحشر في سطورنا ونجد أنفسنا يوما نرسمها شخصية في قصة أو تيمة في قصيدة.
هو أمر متروك للزمن ..
قد .. وقد ..


الكاتب : إعداد: سعيد منتسب

  

بتاريخ : 07/04/2022