محمد برادة: «رسائل امرأة مختفية» إلى مجتمع أبيسي

 محمد هرادي: رواية بين الواقعي والتخييلي، هاجسها البحث عن المفقود

 

شكل اللقاء الأخير من سلسلة لقاءات المعرض الدولي للكتاب أول أمس الاحد 17 فبراير 2019، فرصة للاطلاع على آخر إصدارات الناقد والروائي محمد برادة «رسائل امرأة مختفية»، وسط حضور عددي ونوعي.
الرواية التي تحكي حكاية الذات المفردة في مواجهة الذات الجماعية من نافذة الموروث والطابو والمؤسسة، قدم لها الروائي محمد هرادي متوقفا عند أهم ما لامسته من مناطق الظل في الذاكرة والذات والمجتمع.

حاول الروائي محمد هرادي، وهو يقدم الرواية الاخيرة للناقد والروائي محمد برادة «رسائل من امرأة مختفية»، الصادرة عن دار الفنك هذه السنة، . أن يحيط بالسياق السياسي العام الذي يسيج المناخ الزمني للرواية، الذي يمتد من بداية الاستقلال مع أول حكومة وطنية برئاسة عبد الله ابراهيم الى الصراع بين المعارضة والقصر الذي بلغ أوجه في أحداث 1965، ثم مرحلة السبعينات التي شهدت موجة اعتقالات واسعة في صفوف مناضلي اليسار .
وأضاف هرادي أن هذا السياق الملتهب سياسيا واجتماعيا ، اقتطعت منه الرواية زاوية للحب والعاطفة من خلال نواة الرواية عبر قصة حب بين شاب يساري هيمان السبتي، متخصص في الاقتصاد وقـارئ مـتابع لـلأدب والفكر وشابة تحاول الانعتاق من قبضة السلطة الذكورية فتدرس الصحافة من أجل تحقيق هذا التحرر تدعى «جاذبية عبد العزيز».
ولفت الهرادي الى الازدواجية بين الواقعي والتخييلي في الرواية، رغم المرجعية الواقعية التي تحضر بقوة ورغم الملامح السيرذاتية التي يقف عليها القارئ، مشيرا في نفس الوقت الى أن الرواية يجب أن تقرأ كعمل تخييلي دون استحضار التماهي المفترض بين الكاتب والسارد، لأن برادة، وكعادته ، يستخدم تقنية السارد الضمني أو السارد الوسيط الذي يساهم في عملية السرد، إلا أن برادة في هذه الرواية حاول توزيع هذه المهمة على عدة شخصيات تتناوب على السرد: هيمان، هاديا، حميد زيدان، جاذبية عبدالعزيز…، متوقفا عند تعدد الأصوات السردية التي تتحرك في عملية بحث مستمر عن شخصية «جاذبية» المختفية التي ذابت بعد زواج هيمان.
وأشار صاحب «أحلام بقرة» الى أن تعدد الأصوات لاينفصل عن خيط ناظم في الرواية كلها، وهو أسلوب الرسائل الذي يحضر عبر مستويين : مستوى الرسائل المتبادلة بين البطلين، ومستوى الخطاب الروائي الذي حاول برادة عبره تمرير خطابات ضمنية ، وكل هذا الخطابات تمت عبر مستويات لغوية متعددة تتأرجح بين الشاعرية والواقعية تبعا لطبيعة الأحداث واسترسالها ، تأرجح لامس العاطفة والسياسة وقضايا النوع والمساواة، مضيفا أن هناك طبقات في النص على مستوى الخط السردي، وتحته توجد طبقة سردية أخرى ذات مرجعية سياسية تبتدئ من الاستقلال ومرحلة الحكومة الوطنية الى السنوات الحالية ، بالاضافة الى محكيات ثانوية عن الأدب والصحافة والتحرر من تقاليد المجتمع الذكوري، لافتا الى أن القارئ اللبيب هو من يستمتع بكل طبقة من هذه الطبقات.
وتوقف هرادي في الاخير عند دلالات عتبة العمل الروائي» رسائل امرأة مختفية»، مشيرا الى أنه يحيل على دلالة الاختفاء، الذي هو اختفاء غير جسدي عياني مباشر بل اختفاء رمزي يشمل اختفاء الروح الوطنية وتهالك الجسد وتعبه المزمن واختفاء الرغبات، ليخلص الى أن برادة دخل بهذه الرواية وبشخصية «جاذبية» صالة روائيين عالميين نجحوا في رسم بورتريهات لشخصياتهم مثل غوستاف فلوبير مع شخصية» مدام بوفاري» أو ليون تولستوي مع شخصية «آنا كارنينا».
من جهته نفى محمد برادة الحائز على رواية كتارا للرواية في 2017 عن عمله « موت مختلف « أن يكون استهدف ، حين كتابة روايته، الوضع السياسي والاجتماعي في البداية، لكن حصوله على رسائل «جاذبية» جعله يفكر في كتابة الرواية التي استغرقت منه سنتين عكس كتاباته السابقة التي كانت تستغرق منه مدة أطول، وذلك بعد أن تكون لديه اقتناع بالكتابة عن امرأة ولدت قبل الستينات وعاشت فورة الستينات والسبعينات، وبعد أن وجد أن رسائلها سابقة لعصرها وتنطق باسم الكثير من أحلام النساء لكونها شخصية كانت تحلم بمطابقة الحلم والواقع قبل أن تصطدم بتقاليد المجتمع الذكوري المنغرسة في مفاصله، والتي حالت بين أحلامها ككاتبة وصحافية في التحرر. وأقر برادة بأنه كتب الرواية تمجيدا لرسائل جاذبية ، وحتى يقرأ الجيل الجديد ما كتبته امرأة سابقة لزمانها من أشياء تبدو متقدمة عما نعيشه اليوم.ولم ينف صاحب «الضوء الهارب» أنه وجد نفسه يتعدى أسئلة الشخصيات بل يتجاوزها أحيانا ليطرح مشاكل الكتابة والقراءة في ظل انحسار عدد القراء، لافتا الى العلاقة الخاصة التي ينسجها مع شخصيات رواياته والتي تسهل عليه عملية الانصهار في الكتابة التي لم تأخذه كلية من عالم النقد.
وأشار صاحب «حيوات متجاورة» و» بعيدا عن الضوضاء..قريبا من السكات» الى أن الرواية مفتوحة على كل المناهج لقراءتها، بما فيها منهج التحليل النفسي. فحضور شخصيات تطرح نفسها من زوايا مختلفة، يعبر عن خلل في علاقة الفرد بالمجتمع والمؤسسات شيء ضروري في الرواية، رغم إقراره بأنه لايقدم حلولا ولكنه يفتح نافذة على هذا النوع من الخطاب الذي ظل مغيبا في الروايات، نافذة تكون متنفسا من الخطابات الرسمية.


الكاتب : حفيظة الفارسي

  

بتاريخ : 19/02/2019