أسلمة المغرب .. حسب ما قيل -21- حسان بن النعمان واليا على المغرب

منذ البداية وجب أن نعترف أ ن كتابنا هذا ليس كتاب تاريخ محض، إنما هو محاولة يمكن إدراجها ضمن مجال الدراسات الثقافية التي حاول الأنجلوساكسون تطويرها – منذ ظهورها بعيد منتصف القرن الماضي – وذلك بدراسة مختلف الظواهر الثقافية اعتمادا على مناهج علوم مختلفة ومتعددة، كالتاريخ والأنثربلوجيا وعلم الاجتماع وعلم الأديان والآداب .
إنه محاولة للجواب على أسئلة مؤرقة .
لعل أهمها: لماذا تفتخر كل الشعوب بتاريخها وتنقب عما يمكن أن تجده عبر الحفريات الأركيولوجية ومختلف اللقيات حفظا لهويتها؟ إلا هذا البلد الأمين الذي يحاول في ثقافته الرسمية أن يحصر تاريخه بل والأحرى أن يوقفه في حدود القرن الثاني الهجري.
هل تَرى تلك الثقافة أن التحقيب هنا لا يهتم إلا بما يسمى الدولة الحديثة؟ الأوْلى، إذن، الحديث عن الدولة المغربية وليس الموريتانية Moros أو Mores أو المراكشية Moroeccos منذ سميت كذلك، أو حين حاول الفرنسيون تأسيس مفهوم جديد للدولة الحديثة ومنح المملكة الشريفة اسم Royaume du Maroc للحديث عن المملكة المغربية وسموها على طريقتهم و بصياغتهم؟ وقالوا اختصارا Maroc، أو حين تم وضع أول دستور مغربي (محض) بعيد الاستقلال .
المشكل، من هذا المنظور، هو مشكل هوية ثقافية تتعلق بمواطن مغربي يرى أن ماضيه لا يتجاوز تأسيس الأدارسة لإمارتهم، أي قدوم المولى إدريس الأول رفقة خادمه إلى المغرب الأقصى ونزولهما ضيفين على قبيلة أوربة (إن كان النطق صحيحا) ونتعرف من خلال التاريخ الرسمي على اسم زعيمها وابنته كنزة . معضلتنا أننا نلوك هذا في مقرراتنا ومناهجنا كنوع من الوحي المنزل دون طرح تساؤلات من قبيل: كم كان عمر سبط الرسول الأعظم إدريس بن عبدالله حين قدم إلى المغرب؟ أليس لديه أبناء؟ نتساءل هكذا ونحن نعلم أن أغلب القدماء كانوا يتزوجون وهم في سن معينة، أو على الأقل يتخذون جواري ويمارسون الجنس مع ما ملكت الأيمان .
معضلتنا أننا لا نعلم أبناءنا طرح الأسئلة من هذا النوع! وما زلنا ندرس في أقسامنا ك ما من المعلومات التي صارت متاحة بنقرة زر ، و لا نعل مهم طرق التحليل وآليات التفكير القائمة على العقل و المنطق .
مشكلتنا، أن أغلب المؤسسات تريد ترك الأمور على حالها.

ب ـ حسان بن النعمان

وفي نفس الموضوع (أعلاه) ، تذكر بعض المصادر حسانا كالصادق الأمين إذ تقول : ” وكان حسان يسمى بالشيخ الأمين .” حين تمت توليته . و تقول : ” ثم قدم حسان بن النعمان واليا على المغرب بأمر من عبدالملك بن مروان سنة 73 هـ ”
بينما تذكَرنا في أخرى ببعض مساوئه ، بينما تَذكر البربر على أنهم أناس متحضرون . ـ و نحن هنا نتأوّل فقط ـ ربما هم لا يعرفون الإسلام و لم يقدمه أحد على حقيقته بمقاصده و أهدافه السمحة ، وربما لم يكن هؤلاء البربر يرغبون سوى العيش بحرية في بلدهم ، و غرض أولئك القواد هو الجمع بين الحسنيين ، المال و الجهاد باعتبارـ هذا الأخير ـ ذروة الأمر كله . يقول ابن عبدالحكم في ص 62 و ما بعدها :
” وخرج إلى مدينة قرطاج (يقصد حسانا) و فيها الروم فلم يصب فيها إلا قليلا من ضعافهم ، فانصرف وغزا الكاهنة وهي في ذلك ملكة البربر وقد غلبت على جل أفريقية ، فاقتتلوا فهزمته ، وقتلت من أصحابه و أسرَتْ منهم 80 رجلا ، و أفلت حسان … و أحسنت الكاهنة إسار من أَسرتْه من أصحابه ، و أرسلتهم (أي أطلقت سراحهم) إلا رجلا منهم من بني عبس يقال له خالد بن يزيد ، فتبنّته و أقام معها ”
ولم نفهم السبب الذي جعلها تتبنى واحدا منهم ـ دون أن يخاتلها و يفر ـ . وفي رواية أخرى ، أنها ” أرضعته ، وألحقته بأبنائها .. ”
فقد ذكرت بعض المصادر أنه كان لها ابنان (أحدهما بربري و الآخر يوناني) وقالت لخالد :
” نحن جماعة البربر لنا رضاع إذا فعلناه نتوارث به . فعمدت إلى دقيق شعير فلثّته بزيت و جعلته على ثديها ، و دعت ولديها و قالت : كُلا معه على ثديي . ففعلا . فقالت : قد صرتم إخوة ”
فعلتْ ذلك ، وهي لا ترى في العرب سوى أولئك الباحثين عن السلطان والسيادة فعمدت إلى هدم المدن و حرق الزرع وعقر الضرع ، و في هذا الصدد يقول صاحب البيان المُغرب:
” .. و سبقته (أي حسان) إلى مدينة باغاية ، فأخرجت منها الروم و هدمتها و ظنت أن حسان يريد مدينة ليتحصن بها ..”
أو قوله :
” وملكت الكاهنة المغرب كله بعد حسان خمس سنين ، فلما رأت إبطاء العرب عنها قالت للبربر : إن العرب إنما يطلبون من أفريقية المدائن و الذهب و الفضة و نحن إنما نريد منها المزارع و المراعي، فلا نرى لكم إلا خراب بلاد أفريقية كلها حتى ييأس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدهر . فوجهت قومها إلى كل ناحية يقطعون الشجر و يهدمون الحصون ..”
عاد حسان بن النعمان ليخوض حربا مع الكاهنة ـ لما جاءه المدد من عاصمة الخلافة ـ وتشير المصادر إلى دور خالد في حرب ديهيا (الكاهنة كما تسميها المصادر العربية ) وحسان ، حتى عاد جيش المسلمين لقتالها ..
يقول ابن عبدالحكم . قالت الكاهنة لخالد :
” .. إني كنت تبنيتك لمثل هذا اليوم ، أنا مقتولة ، فأوصيك بإخوتك هذين خيرا . فقال خالد : إني أخاف إن كان ما تقولين ألا يستبقيا . قالت : بلى ، و سيكون أحدهما عند العرب أعظم شأنا منه اليوم ، فانطلقْ ، وخُذْ لهما أمانا .. ” .
لقد قُتلت الكاهنة في الحرب. و ولى حسانُ الأكبرَ من أولاد الكاهنة على سرية جند أسلمت من البربر . وحين استقامت له الولاية و أقام الدواوين ، و وضع الخراج على عجم أفريقية و على من أقام معهم على النصرانية من البربر عاد إلى دمشق و أعطى للخليفة عبدالملك.. ما جاء به من الغنائم ، ففرح ” .
و كما قال : ” ففرح ” .. ونفهم من هذا أن الفرح كان من الغنائم و ليس من إيصال الإسلام إلى تلك الأصقاع . و يقال أن عبدالعزيز (وهو والي مصر من قبل أخيه الخليفة )
” ..أخذ منه ( أي من حسان) كل ما كان معه من السبي . وكان قد قدم معه من وصائف البربر بشيء لم ير مثله جمالا ، فكان نصيب (الشاعر) يقول : حضرت السبي الذي كان عبدالعزيز أخذه من حسان مائتي جارية ، منها ما يقام بألف دينار “.
ويقول صاحب البيان المغرب : ” ثم عزله عبدالعزيز بن مروان ـ وكان الوالي على مصر يولي على إفريقية ـ و أمره بالقدوم عليه . فعلم حسان ما أراد عبدالعزيز أخو عبدالملك بن مروان ، فأخذ الجوهر و الذهب و الفضة فجعله في قِرب الماء و أظهر ما سوى ذلك من الأمتعة و أنواع الدواب و الرقيق و سائر أنواع الأموال . فلما قدم على أمير مصر عبدالعزيز أهدى إليه مائتي جارية من بنات ملوك الروم و البربر ، فسلبه عبدالعزيز جميع ما كان معه من الخيل و الأحمال و الأمتعة و الوصائف و الوصفان . ورحل حسان بالأثقال التي بقيت له حتى قدم على الوليد بن عبدالملك (الأمير) فشكا له ما صنع به عبدالعزيز ، فغضب الوليد على عمه عبدالعزيز ..” ؟ و حلف حسان ” لا أولى لبني أمية أبدا ” .
و يرى صاحب البيان المغرب أن الرواية غير اليقينية هي الأصل في الكلام عن حسان إذْ يقول :
” وغزوات حسان لم تنضبط بتاريخ مدقق ، ولا فتحه لمدينة قرطاج و تونس و لا قتله للكاهنة . وذكر ابن القطان أن عزل حسان وولاية موسى بن نصير كان من قبل عبدالعزيز بن مروان دون أمر أخيه عبدالملك و لا مشورته ”
و لا يجوز أن يكون والي مصر هو من يتحكم في السياسة العليا للخلافة الإسلامية إلا من باب ما أوكل له . و ربما كان الخليفة مشغولا بأمور أهم من فتح شمال أفريقيا .. فقد ذكرت المصادر أنه :
” .. في سنة 76 هـ كان حدوث السكة في الإسلام . و في سنة 77 هـ ثار المطرف بن المغيرة بن شعبة على عبدالملك فكايده هذا الأخير و احتال عليه إلى أن قتله و قتل رؤساء الخوارج ” .


الكاتب : n عبد الله خليل

  

بتاريخ : 26/04/2022