الذكرى 48 لاغتيال الشهيد عمر بنجلون : تفاصيل الجريمة.. وعبد الرحيم بوعبيد ينعت المحاكمة بـ«الهزلية» !

مرت 48 سنة على يوم الخميس 18 دجنبر 1975 الذي شهد اغتيال الشهيد عمر بنجلون. فقبل اغتياله كان عمر، في منتصف ذلك اليوم قد جلس بين أفراد هيئة تحرير جريدة «المحرر»، سأل عما إذا كانت لدى أحد ما فكرة أو رأي أو اقتراح لمقال أو افتتاحية، اقترح أحد الصحفيين تناولا صحفيا لخبر نشرته وكالة المغرب العربي للأنباء عند إنزال عتاد حربي ورجال غير صحراويين من طرف قوارب جزائرية في ميناء الكويرة، نوقشت الفكرة من طرف الجميع، ثم طلب عمر من أحد الصحفيين أخذ ورقة وقلم، وأخذ يملي عليه وهو ينظر تارة إلى وجه الصحفي، وتارة إلى وجوه الصحفيين الآخرين، وكأنه يحاول قراءة ما يدور في خلد كل واحد. أنهى المقالة ثم قال بعد ذلك «يظهر أنه ليس لي ما أفعله هنا، علي إذن أن أذهب»، ثم أخذ جرائده، ركب سيارته الرونو 16 ببياضها الرّمادي، واتجه نحو منزله الذي وصله حوالي الثانية والنصف بعد الزوال، هناك التحق به بعض المناضلين، دار الحديث وانتهى، كان على فتى «عين بني مطهر» أن يرافق والدته إلى منزل أحد أقاربه، كانت الساعة تشير إلى الثالثة وعشر دقائق عندما وقف عمر أمام باب السيارة ليفتحها، عندما فاجأته ضربة قوية بقضيب حديدي استدار على إثرها وهو آيل للسقوط، تلت الضربة طعنة في الصدر ثم طعنة في الظهر. فَرَّ المعتدي (المعتدون) وقد ترك خلفه جثة الشهيد عمر مسجاة على الأرض.
بالدائرة الثانية للأمن الاقليمي بالدار البيضاء، كان مفتش الشرطة سعيد مصطفى، ضابط الشرطة القضائية مساعد وكيل الملك، في مقر عمله، عندما أخبره (المارّة) بوقوع جريمة قتل قبالة المنزل رقم 91 بشارع كامي دي مولان (المسيرة حاليا). لم تمر سوى 10 دقائق على الجريمة الشنعاء حتى كان الضابط ومساعده في عين المكان، كانت الجثة ملقاة على الارض بالقرب من السيارة رقم 40.97.56 ، التحق به أفراد الشرطة القضائية، فتم وضع حزام خاص حول مكان الجريمة بالشارع المشجر، كان جثمان الشهيد ملقى على ظهره ورأسه متجها نحو الشارع، بذلته الرمادية وقميصه ملطخان بالدماء من جراء الطعنات، وكانت حاملة المفاتيح على شكل حرف «0» بالفرنسية ـ تسبح في بركة دم متجمد.

تفاصيل الجريمة

في تلك الأثناء، تقدم المفتش «بنملحة» العامل بالأمن الاقليمي رفقة السيد حفاظ علال بن صلاح القاطن بعمالة الدار البيضاء، ورفقتهما شاب في حوالي العشرين من عمره وقد قيدت يداه، أخبر المفتش المكلف بأن هذا الشخص هو المتهم، وأنهما كانا شاهدي عيان على الاغتيال.
بعد استنطاقه صرح المعتقل بأنه يدعى سعيد بن احمد ادريس، مغربي مزداد سنة 1954 بأولاد سعيد بسطات، أقر المجرم بجرمه، ولم يصرح بالدافع الذي دفعه الى ارتكابه في الحين، كما اعترف بأنه ألقى بسلاح الجريمة أثناء هروبه دون أن يتذكر على حد زعمه، مكان إلقائه.
في تمام الساعة الثالثة و35 دقيقة وصل رئيس الأمن وعامل الدار البيضاء اللذان عاينا وفاة الشهيد عمر واستمعا الى اعتراف قاتله.
كيف تم القبض على المجرم الأول: كان السيد حفاظ علال بن صلاح، البالغ 41 سنة وقت الجريمة، يعمل طباخا بـ «غولف آنفا»، بعين الذئاب، يوم 18 دجنبر 1975، غادر مقر عمله في الساعة الثالثة بعد الزوال كالعادة، متجها نحو منزله بحي «بين المدن» بالبيضاء عبر شارع روزفلت ثم شارع كامي دي مولان (المسيرة). وبعد أن اقترب من محطة البنزين «طوطال» الموجودة في ملتقى زنقة «بواسي» وشارع كامي دي مولان، بحوالي 30 مترا، لاحظ شخصا غريبا يقتفي خطوات الشهيد عمر بن جلون-والذي لم يتعرف عليه آنذاك حسب تصريحه- الذي كان متجها نحو سيارته، ولما شرع الشهيد في فتح باب السيارة انهال عليه الشخص المذكور بقضيب حديدي على رأسه، شرع السيد حفاظ علال في الصياح، أطلق المعتدي ساقيه للريح، حاملا معه أداة الجريمة، اتجه المجرم ناحية مقر الدائرة الثانية، يتبعه شخص آخر نزل من شاحنة هو وسائقها.
التحق الشاهد بالمطاردة، قبل أن يلتحق بهم شخص آخر تبين فيما بعد أنه رجل شرطة، وصل الجميع إلى مكان خلاء، أحاط المطاردون بالمجرم الذي رفض تسليم نفسه للشرطي مهددا إياه بالحجر، وفي «هذه اللحظة- يقول الشاهد- توجهت الى المعتدي لكي يسلم نفسه، وبما أنني كنت خلفه فقد استدار نحوي مما سمح للشرطي بالهجوم عليه فاشتبكا في عراك ثنائي، فتدخلت بدوري لمساعدة الشرطي والقبض على المعتدي».
ومن جهته قدم الشرطي بنملحة بوشعيب الشهادة التالية: «غادرت منزلي في الساعة الثالثة و15 دقيقة باتجاه مقر عملي، وأنا بشارع كامي دي مولان شاهدت شخصا هاربا وخلفه شخص ثان فيما كانت شاحنة لم أسجل رقمها ـ خلفهما، لما اقترب الجمع مني، سمعت من الشخص المطارد بأن الهارب هاجم شخصا آخر وقد تركه مسجى أرضا، امتطيت دراجتي النارية وطاردت الهارب الذي توجه نحو شارع دانطون واستطعنا محاصرته، تخلصت من دراجتي واتجهت نحو الهارب الذي بدأ منهكا وبمجرد اقترابي منه، حمل حجرا وقذفه باتجاهي، ولما تبين له أنه أخطأ الهدف واصل هربه، وكان كلما توقف لاسترجاع أنفاسه يرميني بالحجر أصابني واحد منه في رجلي إصابة خفيفة» إلى أن توجه العامل بغولف آنفا بالحديث إلى المجرم ثم هاجمه الشرطي واستطاع ضبطه، ثم أوقف سيارة نقله فيها إلى مكان الجريمة، صرح رجل الأمن كذلك بأن >سائق الشاحنة والشخص المرافق له ذهبا إلى حال سبيلهما دون إشعار» وأضاف بأنهما رفضا طلبه بنقل المجرم على متن شاحنتهما (!)

بيت القاتل

في الوقت الذي كانت مواكب المناضلين تحج إلى بيت الشهيد، كان رجال الشرطة يفتشون جحر المجرم. في الساعة الرابعة والنصف من زوال ذلك اليوم، اقتاد العميد بنغموش عبد اللطيف، مرفوقا بمساعديه، المجرم سعيد احمد بندريس الى دكانه بحي سيدي معروف بالبيضاء، وهناك قام رجال الامن بتفتيش «المحل»، وتم حجز عدة كتب ذات طابع ديني منها منار الاسلام، وجاهلية القرن العشرين والمخلص المفيد ومجلة المجتمع وصفحتين من جريدة العلم (ع 8894 الصادر بتاريخ 75/10/30) ومنهاج المسلم.
وبعد الانتهاء من البحث بالدكان في الساعة الخامسة، توجه رجال الشرطة بمعية المعتدي سعيد إلى منزل هذا الاخير بحي افريقيا زنقة 32 رقم 20 بالبيضاء، ومن الأشياء «الهامة» التي عثر عليها رجال الامن صفحة كراس سجلت عليها أسماء ثمانية أشخاص هم أوزوكلا، ولد خلطي، خزار، عبد المجيد، حليم، حسن، أحمد، أحمد، كما تم حجز 16 مفتاحا (!!) لائحة الاسماء هذه هي التي ستكون موضع البحث والتحقيق إضافة الى أسماء أخرى سيأتي وقت ذكرها.
استمعت الضابطة القضائية يوم 22 دجنبر 1975، في الساعة الخامسة والنصف مساء إلى المعتدي سعيد أحمد بن دريس الذي ألقي عليه القبض من طرف الشهود ورجل الأمن بنملحة «ابتداء من يناير 1975 – يقول القاتل – بدأ النعماني عبد العزيز يتقرب إلي ويحضر معي إلى الدروس الدينية المسائية في مختلف المساجد ولا سيما بأحياء بوشنتوف والحي المحمدي ومسجد السنة».
هل كانت الصدفة وحدها التي جعلت النعماني يبدأ في استقطاب سعيد بن ادريس في يناير 1975 في تزامن مع فترة انعقاد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي (13/12/11 يناير 1975) والذي لعب فيه عمر بنجلون دور الدينامو النضالي، أهي صدفة مفكر فيها جيدا؟
لن يكون الجواب بالإيجاب بعيدا عن الصواب، عندما ستظهر قرائن أخرى بخصوص «مصادفات» أخرى لها رائحة الدم والخديعة. المهم – هنا – أن النعماني بدأ في شحن القاتل، ودعوته إلى تجنيد شباب آخرين، وتسليمه كتبا دينية تساعده على (الالتزام) وبما أن المدعو النعماني كان يتابع دراسته بكلية الطب بالرباط، فقد اقتصرت زيارته لأخيه على نهاية الاسبوع. «ومع بداية رمضان، من تلك السنة، يقول القاتل، بدأ يحدثني عن أشخاص ملحدين (!) أو شيوعيين ينتقدون الدين الاسلامي ولا يؤمنون بالله ناعتا إياهم بالخونة، ثم فجأة اقترح علي إن لم يكن من اللازم تأديبهم جسديا، فأجبته بتأديبهم بعد إنذارهم مسبقا وتحذيرهم، رد علي بأنه سيتكلف بتنبيههم كتابيا قبل تأديبهم. قدم لنا عبد العزيز (النعماني) هذين الشخصين باعتبارهما من خيرة المسلمين مرشدين ومعلمين، حدثانا عن وحدة وانسجام المجموعة الاسلامية واحترام المواعيد، كما عينا عبد العزيز النعماني رئيسا لمجموعتنا مكلفا بتسيير اللقاءات ونقل التعليمات في المستقبل».
ويستفاد من تصريحات ابراهيم كمال لدى الشرطة أن التنظيم العام هو الشبيبة الاسلامية «التي أسست لأهداف دينية، لكن مطيع وكمال قررا استغلالها للهجوم على شخصيات سياسية لا تشترك معها في التوجه الايديولوجي». أما مطيع فقد قرر العمل الشخصي بعد عدة نقاشات عاصفة مع قادة الاتحاد الاشتراكي (الاتحاد الوطني سابقا)، وقد كان عبد الكريم مطيع قد انقطع، حسب شهادة الأخ مصطفى القرشاوي عن الحزب ونشاطاته نهائيا سنة 1967.
وذكر مصطفى القرشاوي في تصريحه للشرطة بتاريخ 23 دجنبر 1975 أحد لقاءاته بعبد الكريم مطيع بهدف تسليط الأضواء على شخصية هذا الأخير، وجاء في أقوال الأخ القرشاوي أن عبد الكريم مطيع زاره في نهاية شهر نونبر 1974، بعد الإفراج عن الأخ القرشاوي بشهرين أو ثلاثة، وكان بمعية صديقين آخرين، وخلال هذا اللقاء، انتقد مطيع التوجه الاشتراكي للحزب وسياسته انتقادا حادا، وما كان من القرشاوي إلا الرد عليه، وسرعان ما تكهرب الجو عندما بدأ مطيع يكيل النعوت الجارحة في حق بعض القادة الاتحاديين. كما أن مطيع- يقول الأخ القرشاوي- وجه تهديدات مبطنة إلى قادة الاتحاد، ومما أذكره أنه قال بأن اليوم الذي ستتم فيه تصفية عناصر قيادية لحزبنا، قادم لا محالة- ولما سألته إن كان يتحدث باسمه الخاص أو باسم تنظيم معين أجابني «افهمها كيف بغيت».

لماذا لم يقدم عبد العزيز النعماني للمحاكمة؟

في أسفل صفحتها الأولى وعلى ستة أعمدة، كتبت جريدة «المحرر» يوم 12 دجنبر 1979، العنوان التالي مرفقا بصورة لعصابة القتلة: «هؤلاء منفذو جريمة اغتيال الشهيد عمر بنجلون، فأين مدبروها؟» العنوان كان واضحا، ويخص القناعة التي لا يرقى إليها شك، والتي عبر عنها بيان المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي في الذكرى الأولى لاغتيال الشهيد عمر بنجلون: «إن الحقيقة في قضية اغتيال عمر بن جلون لا يمكن أن تظهر إلا إذا وضعت القضية في إطارها الحقيقي، إطار الجرائم السياسية، فمادامت القضية لم توضع في هذا الإطار، فإن الحقيقة ستعد مبتورة».
ومن الحقائق التي أريد لها أن تظل مبتورة من ملف القضية، إبعاد المتهم عبد العزيز النعماني عن المحاكمة، رغم اعتراف كافة أفراد العصابة بالدور المحوري الذي لعبه في التحريض على اغتيال الشهيد. في الملتمس الكتابي الذي تقدم به دفاع الطرف المدني، تم التأكيد على حقيقة اعتقال عبد العزيز النعماني سنة 1977، وهو على أهبة مغادرة المغرب نحو إسبانيا، واستغرب الدفاع كيف لم يتم تقديم المتهم لا لقاضي التحقيق ولا للمحكمة، رغم كونه موضوع أمر قضائي بإلقاء القبض منذ بداية التحقيق.
وحول هذا الموضوع، وجه الفقيد عبد الرحيم بوعبيد رسالة الى رئيس غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، يؤكد فيها «اعتقال عبد العزيز النعماني من طرف الشرطة»، وتضيف الرسالة: «وقد أخبرت بهذا الحادث من طرف السلطات العليا في بلادنا المكلفة بمتابعة المجرمين والسهر على أمن المواطنين». واعتبر الفقيد عبد الرحيم بوعبيد ان إلقاء القبض على النعماني: «كان من شأنه أن يوضح ما كان وما ظل غامضا ومتسما باللبس وبعدة احتمالات»، واختتم الفقيد رسالته الى المحكمة بهذه الفقرة الغنية الدلالات: «إن عدم مثول المسمى عبد العزيز النعماني أمام محكمتكم يجعل من هذه المحاكمة، محاكمة تدعو الى السخرية والهزل، ذلك أن الاشخاص الذين أمروا بارتكاب هذه الجريمة الشنعاء لم يقدموا للمحكمة حتى تتوفر للقضاء كل العناصر الضرورية للكشف عن الحقيقة وإصدار حكم عادل في هذه القضية».
وتجدر الإشارة كذلك الى أن جريدة «المحرر»، كانت قد أخبرت بإلقاء القبض على المسمى عبد العزيز النعماني بعددها الصادر يوم 16 يناير 1977، دون أن يصدر أي تكذيب لهذا الخبر من طرف السلطات المختصة، بسبب هذا، اعتبرت الاطراف المدنية أن عدم مثول المسمى النعماني أمام المحكمة، «يشكل عرقلة خطيرة لسير العمل القضائي وإهانة للعدالة، ويجعل من هذه المحاكمة في شكلها الحالي محاكمة صورية».
وقد طالب الاستاذان محمد الناصري وعبد الرحيم برادة في الملتمس الكتابي بإيقاف مناقشة جوهر القضية حتى تقديم المسمى النعماني أمام المحكمة.
صدق حدس الفقيد عبد الرحيم بوعبيد حين اعتبر في رسالته الى المحكمة أن مجريات البت في جريمة اغتيال الشهيد عمر «يجعل من هذه المحاكمة، محاكمة تدعو الى السخرية والهزل»، ذلك «أن الأشخاص الذين أمروا بارتكاب هذه الجريمة الشنعاء لم يقدموا إلى المحاكمة».


الكاتب : الاتحاد الاشتراكي

  

بتاريخ : 18/12/2023