المخزن ورعاياه المغاربة اليهود من خلال محفوظات مديرية الوثائق الملكية -7-

يهود الصويرة في الوثائق الملكية فترة
حكم المولى سليمان

 

ظل المخزن المغربي وفيا، وراعيا لمغاربته اليهود، ويتضح ذلك من خلال الوثائق الرسمية، ووثائق العائلات اليهودية وبخاصة المراسلات الإخوانية منها. وتعتبر الوثائق الرسمية التي تحتفظ بها مديرية الوثائق الملكية دليلا دامغا على الروابط القوية، والمتينة بين المخزن ويهوديه؛ فبعضها يتضمن صراحة أمر سلاطين الدولة بالاحسان إليهم داخل المغرب وخارجه. فبالإضافة إلى السماح لهم بممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية، وأنشطتهم الاقتصادية، ووهب وعاءات عقارية لهم لانشاء ملاحاتهم أو بيعهم فإن العلاقة ظلت قوية على مر العصور، وتعتبر الدولة العلوية نموذج الراعي الأول لفئة اليهود مقارنة بوضعيتهم خلال فترات حكم السعديين و المرينين والموحدين حيث كانوا مميزين عن جيرانهم باعتبار الهندام أساس للتميز

اتخذ السلطان مولاي سليمان أول إجراء احترازي بإغلاقه المراسي الأطلنتية المغربية في وجه التجار الأوربيين، كما أصدر ظهائر ترمي الرفع من الرسوم الجمركية على تصدير الحبوب والشمع (%120) والأبقار (% 270) …. وفي سنة 1814م أمر السلطان عماله وباشواته وقواده بمنع تصدير الصوف والزيوت. وكان مبلغ الرسوم المفروضة على الواردات (الشاي – البن – الثياب القطنية) يتعدى %50 من قيمتها. وهو ما عجل بانهيار سريع للمبادلات البينية فانخفض عدد التجار الأجانب المقيمين بالمغرب وقلت الحركة الملاحية وتقلص رواج ميناء الصويرة في ظرف بضع سنين. وشمل الركود الاقتصادي أيضا موانئ الرباط والعرائش وطنجة. وعلى المستوى الديبلوماسي شرع السلطان ابتداء من سنة 1805م في إجبار القناصل الأجانب بضرورة الإقامة بطنجة دون غيرها، وأصبح نائب السلطان في طنجة هو حلقة الوصل والاتصال بينه وبين الأجانب، وبالمقابل تم التضيق على سفر المغاربة التجار بمن فيهم اليهود نحو أوربا .
وعلى مستوى الجهاد البحري الذي اتخذته معظم دول أوربا ذريعة لفرض الشرعيىة على توسعاتهم في دول المتوسط فإن السلطان فكك قطع الأسطول البحري ووزعها على دول المغارب الجوار وفي هذا الصدد يقول عبد الرحمن بن زيدان في كتابه الإتحاف:
«وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، أبطل السلطان ( المولى سليمان ) الجهاد في البحر ومنع رؤساءه من القرصنة وفرق بعض قراصينيه على الإيالات المجاورة مثل الجزائر وطرابلس. وما بقي منها أنزل منها المدافع وغيرها من آلات الحرب وأعد عن أمر التبحر رأسا، بعد أن كانت قراصين المغرب أكثر وأحسن من قراصين الجزائر وتونس…”
يرى البعض أن سياسة المولى سليمان تستمد مشروعيتها من روح المذهب الوهابي؛ وعلة هؤلاء في رأيهم أن السلطان نهج سياسة صارمة ضد الزوايا، ومنع بظهير كل الطقوس المرتبطة بها مثل المواسم أو التبرك بالأولياء الأموات والأحياء؛ غير أن الواقع كان يفرض هذه السياسة الجديدة من أجل ترميم البيت الداخلي والقضاء على الحركات المعارضة، وصد الباب في وجه التوسعات الخارجية. أما تضيقه على الزوايا والطرق الصوفية فكانت بهدف إرشاد المغاربة، وتقديم النصح لهم وهو ما يؤكده الظهير السلطاني الاتي:
«الحمد لله الذي تُعَبَّدَنا بالسمع والطاعة، وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة … أما بعد … يا أيها الناس … أيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم، وطهَّروا من دَنس البِدَعِ إيمانكم، وأخلصوا الله أسراركم وإعلانكم … واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون، والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويُلبسون، وافترقوا أوزاعا، وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا، وتسَمَّوْا فقراء … بما هو حرام كتبا وسنة وإجماعا … وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سَقر … وكل ذلك بدعة شنيعة … وتدليس شيطاني وخيال، زينه الشيطان لأوليائه، فوقتوا له أوقاتا، وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتنا، وتصدى له أهل البدع من عيساوة وجيلالة وغيرهم من ذوي البدع والضلالة والحماقة والجهالة، وكل ذلك حرام ممنوع والانفاق فيه إنفاق غير مشروع … فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلاف، أن يمنعوا هؤلاء الطوائف من الحضور في المساجد وغيرها … فإيّاكم ثم إياكم والبدع، فإنها تترك مراسم الدين خاوية … وها نحن عباد الله أرشدناكم، وحذرناكم، فمن ذهب بعد هذه المواسم أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه، وتَلَّهً الشيطان للجبين وخسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، فَلْيَحْذَر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم …
عبد الرحمان ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس بأخبار جمال حاضرة مكناس، ج 5، بتصرف، من ص، 465إلى ص، 480.


الكاتب : ذ.ربيع رشيدي

  

بتاريخ : 30/03/2023