أخلاق الغرب .. التعبير الأسمى عن الحضيض .. 2/2 ويليام ف. فيليس: المسؤولية الأخلاقية زمن الحرب 15

يؤكد الفيلسوف ميشيل فوكو أن عصر الأنوار «لم يجعل منا راشدين»، ظلك أن التهافت الأخلاقي للغرب ظل يعيش،
إلى الآن، غربته الكبرى بين قيم التنوير وما يتأسس عليه وجوده وهويته الحضارية. ذلك أن الغرب أصبح، مع ما جرى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما يجري الآن في غزة، وفي أكثر من بقعة على خارطة العالم، محلَّ تساؤلٍ مريب، بالنظر إى ازدواجيته الأخلاقية هو الذي يقدم نفسه بوصفه «التعبير الأرقى عن الكمال التاريخي للبشرية». بل إن عقل الغرب، كما يقول المفكر محمود حيدر، ينظر إلى التنوع الثقافي أو الحضاري «كَقَدَرٍ مذموم لا ينبغي الركون إليه. ومن هناك جاء التغاضي عن الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب هنا وهناك، وعلى رأسها ما يجري الآن للفلسطينيين على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي المدعومة بالفيتو والسلاح الأمريكيين..

 

 

في بريطانيا، كثيراً ما تعني المسؤولية الأخلاقية الاستقالة من المنصب احتجاجاً على سياسات يجدها المسؤول الحكومي مشبوهة أخلاقياً، وفي النظام البرلماني البريطاني يحتفظ الوزراء باستقلالية أكبر عن الفرع التنفيذي للحكومة من نظرائهم في الولايات المتحدة. وقد كانت لائحة القياديين الحكوميين البريطانيين الذين استقالوا احتجاجاً على قرار توني بلير بالتحالف مع الولايات المتحدة في غزو العراق مثيرة للإعجاب وتشمل الأسماء التالية: بوب بليزارد، وآن كامبل، وروبن كوك، وجون دنهام، ومايكل جابز. فوستر، ولورد هانت وكين بورتشاس، وآندي ريد، وكان روس وكلير شورت، وإليزابيث ويلمزهيرست.
لكن قبول المسؤولية الأخلاقية المتعلقة بقرارت وزارة الخارجية الأمريكية لم تؤد في أغلب الأحوال إلى الاستقالة، وفي الواقع وخلال كامل تاريخ الولايات المتحدة الأميركية لم يقم إلاّ وزيرا الخارجية (ويليام جينينغز بريان وسايروس فانس) بالاستقالة على أسس أخلاقية. لقد قام عدد من مسؤولي الخدمة الخارجية في الولايات المتحدة بالاستقالة احتجاجاً على الحرب في العراق ويشمل هؤلاء دبلوماسيين مخضرمين مثل جون إتش براون وجون برادي كيسلنغ وماري آن رايت، فهل كان هؤلاء المسؤولون على حق في تصرفهم هذا؟ أم هل كانت هذه الاستقالات الصارخة أمثلة على «الأنانية الأخلاقية»، أي أنّها كانت مجرد سعي من الشخص «الأخلاقي» كي يحافظ على سمعته الشخصية بغض النظر عما يحصل لباقي المجتمع (ويليامز 1891 : 44- 54)؟ ألم يكن من الأفضل لهؤلاء الدبلوماسيين أن يعملوا من داخل النظام ويكافحوا من أجل قناعاتهم الأخلاقية في إطار الحكومة؟ أليس هذا التصرف أكثر فعالية من الاستقالة؟
لقد أغرق غزو العراق الشعب الأمريكي في مستنقع أخلاقي أدى بالكثيرين إلى الاستنتاج بأنّ هذه لم تكن حربا «عادلة»، وقد أدى عاملان مهمّان إلى هذا الاستنتاج: الأول هو نظام الأمم المتحدة للسلام العالمي والذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، فهذا النظام يحرِّم بوضوح شن حرب عدوانية، فلا يحل تحته لأي دولة أن تهاجم أخرى إلاّ إذا تعرضت الأولى للهجوم أو كانت معرضة »لتهديد مباشر وشيك»، وقد أوضح مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق جورج تينيت أنّ المحللين الاستخباراتيين «لم يقولوا قط أن ثمة تهديد وشيك» (CBS، 2004). وكذلك فقد وثق كل من «تعميم شارع داونينغ » مع «تقرير باتلر» الاستقصاء البريطاني الرسمي في استخدام المعلومات الاستخباراتية حول أسلحة الدمار الشامل في العراق أنّه وفي الفترة الممتدة من نهاية تسعينيات القرن الماضي حتى سنة 2002 أصبح من الواضح جدا بالنسبة إلى معظم الخبراء أن العراق لا تقوم بعملية إعادة تسلح، وأنّ سياسة الاحتواء ناجحة ولم يوجد أي شيء في هذه التقارير يوحي بأنّ صدام حسين قد قام بعملية إعادة تسلح أو أنّه ينوي شن هجوم على جيرانه، ناهيك عن الولايات المتحدة، أو بريطانيا. لذا فقد شعر الكثير من مواطني الولايات المتحدة أنّه لم يكن لغزو العراق أي مبرر قانوني أو أخلاقي. أمّا العامل الثاني، فهو المبادئ الأساسية لشرعة حقوق الإنسان العالمية تشمل حظراً كاملاً للتعذيب بشتى أنواعه والاعتقال العشوائي الاعتباطي، ولكن بدا وكأنّ الصور التي تسربت من معتقلي غوانتانامو وأبو غريب تشكل إعلان الولايات المتحدة ب أنّها لم تعد تحترم قدسية حقوق الإنسان هذه، فقد أدى الإذلال المتعمد والتعذيب المستخدمان في معتقل أبو غريب وكذلك العدد الكبير من الناس الذين اعتقلوا في غوانتانامو لسنين طويلة دون أن يحظوا بحق الوصول إلى محامٍ بل وبدون أن توجه لهم أي تهمة وبدون حتى أن يسمح لعائلاتهم أن تراهم بالكثير من العاملين في خدمة خارجية الولايات المتحدة إلى الاستنتاج بأنّ أفعال الولايات المتحدة غير أخلاقية وتشكل انتهاكاً لأدنى معايير الحشمة التي أثبتتها قوانين الولايات المتحدة والقوانين الدولية.
عرَّف فايزباند وفرانك (5791: 3) «الاستقلالية الأخلاقية» بأنّها «الاستعداد للحفاظ على حكم الشخص الأخلاقي حتى لو اقتضى ذلك انتهاك القوانين والقيم والمدارك التي تحملها المنظمة أو مجموعة الزملاء أو الفريق». يمكننا تعريف «المسؤولية» الأخلاقية على أنّها الحفاظ على الاستقلالية الأخلاقية، فهل من الممكن إذن لأي أحد أن يكون صاحب استقلالية أخلاقية في الحكومة؟ كيف يمكن لأي شخص أن يقاوم «التفكير الجمعي؟».
يستكشف هذا المقال ما إذا كانت النظرية الأخلاقية ستساعد في ترتيب درجات المسؤولية الأخلاقية التي يتحملها المسؤولون أصحاب المناصب العامة من تصرفات الحكومة في زمن الحرب، فهل ستساعدنا أبرز النظريات الأخلاقية في التوصل إلى فهم أفضل للمسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية؟».


الكاتب :   إعداد: سعيد منتسب

  

بتاريخ : 09/04/2024